مقالات

تجار سوق السجانة.. إعفاء الغريق من ضريبة السباحة

 

أحمد غباشي

 

تقول الأخبار، إن رئيس الوزراء كامل إدريس أعلن، خلال جولة تفقدية، إعفاء تجار سوق السجانة، جنوبي الخرطوم، من رسوم الأعوام من 2023–2025، مع توجيهات بمنع الجبايات غير القانونية.

أمر مثير للدهشة والتعجب، أن يُقدم رأس حكومة الأمل على هذه الخطوة، ويقوم بتصديرها بشكل احتفائي كأنها مكرمة أو منحة ومنَّة وتفضُّل!!.. رغم أنه حق طبيعي لا يحتاج إلى مطالبة، عكسه هو الظلم بعينه.. فلا يحتاج الأمر إلى أن ينعم به رئيس الوزراء بنفسه.

من المعلوم أن الأعوام المشمولة بالقرار هي أعوام حرب ضارية، كانت منطقة الخرطوم بأكملها، وعلى رأسها مناطق مثل السجانة، مسرحاً للعمليات العسكرية. الحركة التجارية لم تكن منكمشة فحسب، بل منعدمة في فترات طويلة، والمخازن تعرضت للنهب، والبنى التحتية دُمرت، والناس عاشوا تحت وطأة الخوف والجوع والنزوح.

في ظل “جائحة عامة” هل كان بمقدور هؤلاء التجار أصلاً أن يمارسوا نشاطهم لتدفع رسوماً؟ هذا هو السؤال الجوهري!.

عندما يتعطل النشاط التجاري بالكلية، أو يصبح شبه مستحيل، فإن إعفاء التاجر من الرسم يصبح معادلاً لإعفاء الغريق من ضريبة السباحة. إنه ليس تبرعاً حكومياً، بل هو اعتراف ضمني بأن تحصيل هذه الرسوم كان سيكون عملية عبثية وغير قانونية، بل ومستحيلة من الناحية العملية. السؤال الجوهري هنا: هل كان التاجر ليدفع شيئاً لو لم يصدر هذا القرار؟ الإجابة بالنفي تجعل من “الإعفاء” فعلاً شكلياً أقرب إلى العلاقات العامة منه إلى الدعم الاقتصادي الحقيقي.

وهنا نصل إلى جوهر الإشكال: في الفقه الإسلامي، توجد قاعدة “وضع الجوائح” التي تقضي بإسقاط الثمن عن المشتري قبل انتقاله إلى ملكه، في حالة وقوع جائحة سماوية تمنعه من الانتفاع، وإسقاط الإيجار المستأجر للعقار للسبب ذاته، ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح)، ويعتبر فعل الآدميين جائحة على الراجح عند المالكية، خصوصاً إذا كان فعلاً عامْاً الجيش.. فإذا كان هذا في المعاملات بين العباد، فهو في جبايات الدولة أولى.

ومن مقابلات قاعدة وضع الجوائح في القانون العام مبدأ “القوة القاهرة” (Force Majeure) ، التي تنص على أن من انقطع انتفاعه بالشيء بسبب قوة قاهرة لا يُلزم بأداء ما كان مقابل ذلك الانتفاع. والحرب والجائحة هما المثال الأوضح للقوة القاهرة. عندما تصبح منطقة بأكملها غير قابلة للحياة التجارية الطبيعية، فإن حق الحكومة في استيفاء الرسوم يسقط تلقائياً، ليس تكرماً، بل لأن أساس الاستيفاء قد زال.

لذلك، فإن عدم مطالبة التجار برسوم عن فترة كانوا فيها فاقدين للقدرة على الوفاء، وغير منتفعين بالخدمات التي تبرر تلك الرسوم، ليس “دعماً” حكومياً استثنائياً، بل هو أقل القليل مما يمليه المنطق والعدالة. إنه حق طبيعي ومستحق لهم، والاعتراف بهذا الحق لا يضع الحكومة في موقع “المُعطي” بل في موقع “المُقر بالواقع والملتزم بالقانون الطبيعي للأزمات”.

السؤال الأهم: ماذا عن المستقبل؟.. هنا يكمن مربط الفرس الحقيقي. الخبر يعلن الإعفاء بأثر رجعي عن أعوام مضت، ولكن ماذا عن الغد؟ التجار العائدون اليوم إلى سوق متداعٍ، في مدينة خرجت من حرب مدمرة، هم أمام مهمة إنعاش اقتصادي شاقة. بضائعهم نهبت، رؤوس أموالهم تآكلت، وأسواقهم تحتاج إلى إعادة إعمار. مطالبتهم برسوم في العامين القادمين (2026-2027) سيكون بمثابة اقتطاع من لحمهم الحي وهم يحاولون النهوض، وسيعرقل عملية التعافي برمتها.

أليس من الواجب، بل من صميم مسؤولية الدولة في إعادة الإعمار، أن يكون الإعفاء استباقياً ومستقبلياً؟.. وليس أقل من أن يمتد لعامين قادمين، ليس كصدقة، بل كمساهمة حكومية حقيقية في تعويض الخسائر؟ إنها سياسة اقتصادية رشيدة تتبعها الدول التي تدرك أن دعم المتضررين هو أسرع طريق لإنعاش الخزانة العامة على المدى الطويل.

التاجر الذي يُترك ليقف على قدميه دون أثقال هو من سيوفر السلع، ويُشغِّل العمال، ويدفع الضرائب الحقيقية فيما بعد. أما التاجر الذي يُرهق فور عودته، فقد يُفضِّل عدم العودة أصلاً.

ولكن جولة رئيس الوزراء لا تخلو من جوانب إيجابية، فتوجيه رئيس الوزراء بمنع الجبايات غير القانونية قد يكون البند الأكثر أهمية في القرار.

فكثير من التجار لا يشتكون من الرسوم الرسمية بقدر ما يعانون من تعدد الجهات التي تفرض إتاوات غير قانونية، وهو ما يضاعف التكلفة ويقوض أي محاولة للتعافي.

وبالتالي فإن نجاح القرار، ، لا يقاس فقط بالإعفاء، بل بقدرة الدولة على؛ ضبط الأجهزة التنفيذية، وتوحيد قنوات التحصيل، وإنهاء الفوضى المالية في الأسواق.

إن الحدث يطرح أسئلة أعمق من مجرد إعفاء من رسوم، إنه يختبر فهم الدولة لمعنى المواطنة في زمن الكوارث.. ما يتوجب على الدولة هو أن تستثمر في الإنسان وإعادة الإعمار.. وفي هذا الصدد عليها أن تعترف صراحة بأن ما لحق بالتجار ليس مجرد خسارة مالية، بل كارثة تستوجب تعويضاً وطنياً لا مجرد إسقاط ديون مستحيلة التحصيل.​

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى