
تقرير: الطابية
رحبت الحكومة السودانية بتعديلات أدخلتها لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي على مشروع القانون رقم H.R.1939 المعروف باسم “قانون المشاركة الأمريكية في السلام السوداني”، بعد حذف بند كانت الخرطوم تعتبره مساسًا بشرعية مؤسسات الدولة السودانية وتمثيلها الدولي. وقد اعتبرت السفارة السودانية في واشنطن الخطوة تطورًا إيجابيًا يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون أكبر بين السودان والولايات المتحدة في ملفات السلام والمساعدات الإنسانية.
مشروع قانون أثار جدلاً واسعاً
البند الذي أثار اعتراض السودان كان جزءًا من النسخة الأولية لمشروع “Sudan Peace Act” (قانون السلام في السودان) المتداول داخل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، ويهدف، بحسب اللجنة، إلى تعزيز الانخراط الأمريكي في جهود إنهاء الحرب السودانية، ويتضمن إجراءات تتعلق بالعقوبات والمساعدات الإنسانية والمساءلة عن الانتهاكات.
وبحسب ما أعلنته السفارة السودانية في واشنطن ووسائل إعلام سودانية ودولية تناولت القضية، فإن البند الذي أثار اعتراضاً سودانيًا واسعًا، كان يدعو الإدارة الأمريكية إلى “العمل داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية لمراجعة أو الطعن في اعتماد ممثلي الحكومة السودانية الحالية، أو اتخاذ خطوات تتعلق بوضع السودان التمثيلي في المنظمات الدولية إذا لم يتم إحراز تقدم في مسار السلام والحكم المدني”. وهو ما هو رأى فيه السودان أنه يمثل محاولة للتشكيك في شرعية الحكومة السودانية المعترف بها دوليًا.
وبحسب مصادر دبلوماسية وإعلامية سودانية، فقد مارست السفارة السودانية في واشنطن اتصالات مكثفة مع أعضاء الكونغرس لإقناعهم بحذف هذا البند، معتبرة أن أي مساس بالتمثيل الدولي للسودان من شأنه تعقيد جهود السلام وإضعاف مؤسسات الدولة في وقت تشهد فيه البلاد حربًا مستمرة منذ أبريل 2023.
ترحيب رسمي سوداني
وفي بيان رسمي، أشادت السفارة السودانية برئيس لجنة الشؤون الخارجية الجمهوري براين ماست والعضو الديمقراطي البارز غريغوري ميكس بعد استجابتهما للمخاوف السودانية وإزالة النص المثير للجدل. وأكدت السفارة أن التعديل يعكس احترامًا لسيادة السودان ومؤسساته الشرعية، معتبرة أن ذلك يشكل أساسًا ضروريًا لتحقيق السلام وتعزيز التعاون بين الخرطوم وواشنطن.
كما أكدت الحكومة السودانية أنها تشترك مع الكونغرس والشعب الأمريكي في الرغبة بإنهاء معاناة السودانيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين وتحقيق سلام دائم.
نقاط الخلاف لم تنتهِ
ورغم الترحيب بالتعديل، فإن الخرطوم أبدت تحفظات على أجزاء أخرى من مشروع القانون، لا سيما ما اعتبرته “مساواة” بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في توصيف أطراف النزاع.
وأكدت السفارة السودانية أن القوات المسلحة السودانية تمثل المؤسسة الوطنية الدستورية المكلفة بحماية الدولة ووحدة أراضيها، بينما تصنف الحكومة قوات الدعم السريع باعتبارها قوة متمردة مسؤولة عن انتهاكات واسعة. كما أشارت إلى أن عدداً من أعضاء الكونغرس الأمريكي سبق أن وصفوا بعض ممارسات الدعم السريع بأنها ترقى إلى جرائم إبادة جماعية.
دلالات سياسية
يرى مراقبون أن حذف البند المتعلق بالتمثيل الدولي يحمل عدة دلالات سياسية مهمة:
أولاً؛ يعكس نجاح التحرك الدبلوماسي السوداني داخل واشنطن.
ثانياً؛ يشير إلى وجود تيار داخل الكونغرس يفضل الحفاظ على قنوات التواصل مع الحكومة السودانية بدلاً من عزلها دبلوماسيًا.
ثالثاً؛ يبعث برسالة بأن هناك مؤثرين داخل الكونغرس الأمريكي لا يزالون يميزون بين دعم جهود السلام وبين اتخاذ خطوات قد تُفسر على أنها اعتراف بطرف آخر بديلاً عن الحكومة القائمة.
رابعاً؛ يمنح الخرطوم دفعة سياسية في معركتها الدبلوماسية ضد محاولات التشكيك في شرعيتها الدولية.
ماذا بعد؟
رغم هذا التطور، فإن مشروع القانون لم يصبح نافذًا بعد، إذ لا يزال أمامه المرور بمراحل تشريعية أخرى داخل الكونغرس الأمريكي. كما أن السياسة الأمريكية تجاه السودان ما تزال تركز على عدة ملفات رئيسية تشمل الضغط على الأطراف السودانية لوقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ودعم انتقال سياسي يقود في نهاية المطاف إلى حكم مدني، وكل ذلك وفقاً للرؤية الغربية الأمريكية في تفسير الصراع في السودان.
وبشكل عام؛ يمثل حذف البند المتعلق بالتشكيك في تمثيل السودان الدولي انتصارًا دبلوماسيًا للسودان في واشنطن، ولكنه محدود.. ومع ذلك يعكس قدرة الدبلوماسية السودانية على التأثير في بعض تفاصيل النقاش الدائر داخل الكونغرس حول الحرب السودانية.
غير أن التباينات بين الجانبين لا تزال قائمة بشأن توصيف أطراف النزاع وآليات تحقيق السلام والمساءلة، ما يعني أن العلاقات السودانية الأمريكية ستظل مرتبطة إلى حد كبير بمسار الحرب ومستقبل التسوية السياسية في البلاد.



