صورة حميد.تي كما يرسمها السافنا

أحمد غباشي
تصريحات القيادي المنشق على المليشيا علي رزق الله “السافنا” التي أطلقها أمس خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده، أو عُقد له بالخرطوم، ترسم صورة مركبة وقاتمة لمحمد حمدان د.قلو “حميد.تي”، قائد المليشيا المتمردة، لا تشبه بأي حال صورة القائد الممسك بزمام الأمور التي طالما سعت دعاية الميليشيا إلى تكريسها، بل تقدم نموذجاً لزعيم يتآكل من الداخل على مستويات ثلاثة متداخلة: الجسدي، والنفسي، والسياسي.
كشف السافنا:
أن حم-يدتي أُصيب أمام مقر القيادة العامة، وأن قيادات عشائرية داعمة للد-عم السر-يع على علم بذلك.
أن حميد.تي يعاني من انهيار نفسي.
أن حميد.تي “مغيب عن القرار”، ويتحرك وفق توجيهات جهات خارجية، وأصبح “مسلوب الإرادة”، ولا يستطيع اتخاذ قرار وطني دون ضوء أخضر من تلك الجهات (الإمارات).
وأنه “إذا حاول المخالفة سيُقتل”.
هذه الأوصاف التي ساقها السافنا، ترسم صورة ثلاثية الأبعاد لقائد المليشيا المتمردة في وضعه الراهن!.
على المستوى الجسدي، يظهر حميد.تي كقائد مصاب، لم يتعافَ من جرحه منذ اندلاع الحرب، حيث أُصيب أمام القيادة العامة في الخرطوم، في إصابة يبدو أنها أفقدته القدرة على الحركة الميدانية والظهور العلني، وحوّلته إلى شخص متوارٍ عن الأنظار، يتنقل بين مواقع علاجية وملاذات آمنة، لا بين جبهات القتال التي يفترض أن يقود فيها رجاله.
إنها صورة قائد لم يعد قادراً على أن يكون في مقدمة الصفوف، ولا حتى في منتصفها، بل صار خارج المشهد تماماً، يكتفي بتسجيل الصوت والصورة حين تسمح له حالته بذلك.
وعلى المستوى النفسي، يكشف السافنا عن انهيار كامل في بنية الرجل الذهنية والعاطفية، فهو “يعاني من انهيار نفسي” كما وصفه، وهي حالة تتجاوز مجرد الضغط أو القلق المصاحبين للحرب، لتصل إلى حد التفكك الداخلي الذي يجعله عاجزاً عن اتخاذ القرار، متردداً، متخبطاً، غارقاً في أوهام السيطرة بينما الحقيقة أنه لم يعد يسيطر حتى على نفسه.
إنها صورة قائد مهزوم نفسياً قبل أن يُهزم عسكرياً، منكسر الإرادة، فاقد الثقة في المحيطين به، يعيش رعب الاغتيال أو الخيانة، ولا يملك من أمره شيئاً.
وعلى المستوى السياسي والأمني، وهي النقلة الأكثر دلالة، يرسم السافنا صورة حميد.تي كزعيم مسلوب القرار، مجرد من الإرادة السياسية، تحول إلى واجهة لا أكثر. فقرار الميليشيا “أصبح بالكامل في يد جهات خارجية”، وهو لا يملك حتى حق مخالفة الأوامر الصادرة إليه، لأنه لو حاول ذلك “سيُقتل فوراً”.
إنها صورة الأسير الذي يرتدي ثوب القائد، والسجين الذي يُوهَم بأنه الآمر الناهي، والدمية التي تحركها أيادٍ لا يجرؤ على مساءلتها.
لقد انتهى حميد.تي السياسي قبل أن ينتهي حميد.تي الجسدي، وحل محله مجرد منفذ أجندات لا يملك توجيهها أو الاعتراض عليها، محاطاً بحرس من الحلفاء الذين تحولوا إلى سجانين، وبأقارب يديرون عمليات تصفية رفاقه تحت بصره وسمعه، عاجزاً عن الحسم أو الردع أو حتى الاعتراض.
ويتأكد فقدان الاستقلالية بشكل صارخ في مصير القياديين عثمان عمليات وعصام فضيل، اللذين باتا قيد الإقامة الجبرية في أبو ظبي، حيث انتقلت الإمارات من دور الداعم اللوجستي إلى السجان المباشر للقيادات التي انتهت صلاحيتها أو خرجت عن السيطرة، في تحول يعكس حقيقة الميليشيا كأداة عسكرية مستأجرة لا يملك قادتها حتى حرية السكن أو الحركة، فإذا لم تعد صالحة للتشغيل تم تحييدها وتجميدها بلا تردد.
الصورة الكلية: قائد أصابه العجز في جسده، والوهن في نفسه، والشلل في قراره؛ جريح لا يقوى على القتال، منهار لا يقوى على القيادة، مسلوب الإرادة لا يملك أن يقول لا.
هذه الصورة الثلاثية الأبعاد التي ترسمها شهادة السافنا لا تترك مجالاً للشك في أن حميدتي لم يعد رقماً فاعلاً في معادلة الحرب، بل تحول إلى رمز فارغ ينتظر من يقرر مصيره، تماماً كما تقرر من قبله مصير رفاقه بين التصفية والإقامة الجبرية.
إنها نهاية دراماتيكية لرجل راهن على أن يكون سيد السودان فانتهى به المطاف سجين الأجندة التي ركبها، ولعبة بيد من ظنهم شركاء، لا يملك حتى أن يضمن لنفسه خروجاً آمناً من المتاهة التي حفرها بيديه.



