سياسةمقالات

بحر إدريس أبو قردة يكتب:

 السودان على وشك التمزيق هل من فرصة للتدارك؟؟

 

المقدمة

 

من المعلوم لدى المهتمين بالشأن السوداني أن العدوان الذي تواجه البلاد منذ ١٥ أبريل من عام ٢٠٢٣م بعد فشل الانقلاب الذي أُعد جيداً بواسطة ثلاثة مستويات منسقة دولياً تحت دفع ورعاية عدد من القوى الدولية المهيمنة و إقليمياً تحت قيادة الامارات كدولة وظيفية أوكلت إليها إنجاز المهمة و محلياً مليشيا الدع-م الس-ريع التي استخدمت كأداة للتنفيذ المباشر على الأرض.

برغم من تقاطع الأجندات أحياناً حسب المصالح المتشابكة للجهات المختلفة في المستويات الثلاثة إلا ان الهدف الرئيسي للقوة الدولية صاحبة المشروع ، معلوم أنه يسعى إلى تفتيت السودان إلى دويلات صغيرة و ضعيفة يسهل السيطرة عليها و على مواردها وإنهاء الدور الجيوسياسي الحيوي للسودان الموّحد في منطقة البحر الأحمر و القرن الأفريقي و دول الساحل الأفريقي .

 

 واقع التقسيم

 

– مشروع تمزيق و تفتيت البلاد الذي مر بحلقات و مراحل مختلفة خلال فترات متطاولة وصل الآن إلى مرحلة متقدمة جداً ، و الحقائق و المؤشرات التي تدل على ذلك هي:

 

– تكوين حكومة موازية للحكومة السودانية برئاسة قائد المليشيا في مدينة نيالا و ممارسة الكثير من مظاهر و وظائف الحكم فيها.

 

– ⁠برغم من ادعاء كل الدول و المنظمات الدولية العامة في الشأن السوداني حرصها على وحدة البلاد و عدم إعترافها بحكومة موازية ولكن عملياً ثبت أن هناك دعم قوي غير معلن من ذات الجهات لجعل الحكومة الموازية أمراً واقعاً و أبرز النقاط التي تشير إلى ذلك هى :

 

– لأول مرة، وأخطر خطوة هى دعوة الحكومة الموازية (حكومة التأسيس) تحت غطاء تحالف التأسيس إلى الاجتماع المنعقد خلال الفترة من ٣-٥ يونيو الجاري في أديس أبابا بصورة رسمية ومعلنة، دون دعوة الحكومة السودانية، وتخصيص اجتماع منفصل للتأسيس مع الآلية الخماسية (الاتحاد الأفريقي – الجامعة العربية – إيقاد – الاتحاد الأوروبي – الأمم المتحدة) التي أوكلت إليها مهمة المساهمة الإيجابية لإيجاد حل للمشكلة السودانية على أساس وحدة السودان.

 

– تعني هذه الخطوة إعادة شرعنة الدع-م الس-ريع وحلفائه كمنظومة عسكرية سياسية والاعتراف به دولياً وإقليمياً تحت غطاء تحالف التأسيس وقوات التأسيس للتخلص من اسم الدع-م الس-ريع والجرائم التي ارتكبتها، وتجاوز تصنيفها المتوقع كمنظمة إرها.بية، تمهيداً لإعادتها في الساحة السودانية عبر الحوار السوداني – السوداني الذي يسعون إليه بمقاساتهم ومعاييرهم.

 

– لتعرفوا حجم المؤامرة والجهد المتواصل، أعلنوا صراحة أن ما توصّلوا إليه في أديس أبابا امتداد لمؤتمر برلين، يعني أن كل ما تم في مؤتمرات باريس ولندن وبرلين تُوِّج بمخرجات أديس أبابا بعد شرعنة مليشيا الدع-م الس-ريع والحكومة الموازية بمشاركتها المعلنة في المؤتمر تحت غطاء تحالف التأسيس.

 

– شروع الحكومة الموازية في تأسيس بنك مركزي وتعيين محافظ البنك المركزي الأسبق محافظاً له، وطباعة العملة الوطنية بمساعدة الدول المتآمرة وضخها في المواعين المصرفية الموجودة في مناطق سيطرتها.

 

– في خطوة أخرى هائلة نحو التقسيم – برغم تبخيس البعض – أجرت الحكومة الموازية ما سُمِّي بامتحانات الشهادة السودانية في نيالا بقرع الجرس علناً من قائد المليشيا ورئيس التأسيس. الأمر ليس في قيمة الامتحانات المقامة حالياً، وهي قطعاً لا قيمة لها من حيث الاعتراف أو التعامل معها في أي مكان في العالم، وعليه فإن الطلاب الذين جلسوا سوف يكونون ضحايا. ولكنها قطعاً خطوة سياسية مهمة نحو فرض الأمر الواقع بالتراكم في المستقبل . علماً بأن القيادة لم توضح رأيها بوضوح برغم من تصريحات بيكو هافستو المشيدة بالمؤتمر و مخرجاته.

 

هل هذا يعني أن القيادة على اتفاق مع مبعوث الأمين العام و مخرجات المؤتمر ؟ و هل انها على اتفاق و تنسيق مع القوى السياسية التي شاركت في المؤتمر دون إبداء أي تحفظات واضحة؟

 

– جمود العمليات العسكرية للقوات المسلحة و كافة القوات المساندة لها في ظل الجهود الحثيثة من محور العدوان على الحشد العسكري و التسليح في كافة المحاور القتالية عبر منافذ كل دول الجوار باستثناء دولتي مصر و اريتريا.

 

– برغم من المناشدات و النصائح التي قدمت للقيادة بضرورة توقيع اتفاقيات استراتيجية بما في ذلك اتفاقيات دفاع مشترك مع الدول التي لا تضر بالمصالح الاستراتيجية للبلاد و تستطيع أن تساعد البلاد لمواجهة الخطر الوجودي ، تركيا على سبيل المثال ولكن لم نر شيئاً كهذا حتى الآن.

 

– المواقف الغامضة في التعامل مع دولة الامارات المسؤولة عن العدوان بالدرجة الأولى على البلاد كما حدث في لقاء سويسرا مع الوفد الاماراتي في الأسبوع قبل الماضي.

 

– تعطيل المقاومة الشعبية و التضييق على بعض قادتها برغم من دورها الكبير خلال الفترة الماضية و كذلك التردد و التشكيك في التعامل مع القوات المساندة خاصة المشتركة و مضايقة بعض القوات المساندة مثل البراءون انصياعاً لبعض الضغوط الخارجية التي هي ذاتها تدعم المليشيا عسكرياً و سياسياً.

 

– عدم تجاوب قيادة الدولة مع كل التصورات و الرؤى التي قدّمتها القوى السياسية الوطنية الداعمة لمؤسسات الدولة خلال الفترة الماضية لتنسيق الجهود لملأ الفراغ الذي تم استغلاله باسم القوى المدنية في الخارج ، بل مارست الحكومة سياسة فرّق تسد في وسطها مما انعكست سلباً على تماسكها و وحدة موقفها في الخارج.

 

– كما مارست الحكومة ذات السياسة مع القوى المدنية و السياسية الداعمة لها في الخارج مما سببت في تشققات واضحة في وسطها وانعكس في حجم الأنشطة و المظاهرات الداعمة للدولة ، أوضح نموذج لذلك مظاهرات بريطانيا في الأسبوع الماضي.

 

الجزء التاني

 

هل يمكن إدراك تمزيق البلاد؟

 

الفرصة الوحيدة لتجنب ذلك، وفي أسرع فرصة، تتمثل في الآتي:

 

– إعادة ترميم وبناء الصف الوطني عسكرياً وسياسياً وإعلامياً وجماهيرياً في الداخل والخارج عبر الخطوات التالية:

 

– تكوين حكومة قوية وفاعلة تكون في حالة انعقاد دائم عبر قطاعاتها المختلفة وفي كل الولايات، تعمل بجدية على مكافحة الفساد وتقديم الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية وحل مشاكل الطاقة والزراعة وغيرها بمعايير واضحة وشفافة قابلة للقياس، ومعلوماتها متاحة للمواطنين والإعلام الوطني.

 

– إطلاق يد القوات المسلحة والقوات المساندة لها لتحرير الأراضي المتبقية.

 

– استنفار كل أبناء الشعب في كل بقاع الأرض للانخراط في كل الجبهات وكل المعسكرات، والتعهد بعدم ممارسة أي نوع من المضايقات والتعطيل حتى تحرير كل الأراضي وإجبار المليشيا وحلفائها على سلام يحافظ على وحدة البلاد ووحدة المؤسسات، على رأسها القوات المسلحة.

 

– توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية ودفاع مشترك مع تركيا.

 

– إعداد وتوقيع رؤية مشتركة وشاملة بين قيادة الدولة والقوى المدنية والسياسية المساندة لها في الداخل والخارج، والعمل على إنفاذها عبر آليات تنفيذ مشتركة في الداخل والخارج.

 

– تفعيل الدبلوماسية الرسمية والشعبية لمحاصرة دولة الإمارات ودول العدوان.

 

– تشجيع وتمكين الإعلام الوطني الذي تقدم الصفوف ودافع عن البلاد منذ بداية العدوان وحتى الآن دون تكليف من أحد بشكل واضح.

 

– يجب التخلص من ذهنية أن الحل يمكن أن يأتي من الخارج، حيث إنه برغم أهمية التواصل مع الخارج بشكل فاعل ومستمر، ولكن يجب أن يكون واضحاً: إذا لم تتفق القوى المجتمعية والسياسية الفاعلة في الداخل، لن يستطيع أحد أن يفرض من الخارج أي شيء.

 

أخيراً

 

يجب أن تعلم قيادة الدولة والقوة الأجنبية والقوة السياسية السودانية التي تقف في صف القوى الأجنبية، أن التحولات الهائلة التي حدثت في البلاد بسبب العدوان على البلاد أكثر من التحولات التي حدثت بعد ثورة ديسمبر. وعليه، من يظن أنه يستطيع إعادة إنتاج الاتفاق الإطاري أو الإقصاء أو التمكين بالاستعانة بالخارج فهو واهم.

 

– كما يجب أن يدرك كل المواطنين الحادبين على بلدهم أن السماح بفصل أي جزء من البلاد سوف يمتد إلى بقية أجزاء البلاد دون أي شك، لأن المخطط هو السيطرة على البحر الأحمر والموانئ، والسيطرة على الأراضي الزراعية في الشرق وضمها إلى إثيوبيا، والسيطرة على ذهب الشمال والشرق ويورانيوم دارفور والأراضي الزراعية في الوسط والجنوب، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بتقسيم البلد إلى دويلات ضعيفة وفاقدة السيادة.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى