
أحمد غباشي
أثارت عودة القيادي بمليشيا آل دقلو، النور قُبَّة جدلاً، واسعاً، حول قضية العفو والعدالة، وهو جدل قديم ظل يثور تحت أقدام كل متمرد يخلع عباءة المليشيا، ويعلن العودة إلى خيمة الوطن.. منذ كيكل، وغيره من القيادات العائدة، إلا أنه هذه المرة أخذ أبعاداً أكثر حدة، مع تزايد فظاعة جرائم المليشيا وانتهاكاتها، على النحو الذي وقع لدى اجتياح الفاشر..
ورغم أن إعلان العفو عن كل من يضع السلاح من المتمردين، كان معلناً في وقت مبكر من معركة الكرامة.. كواحد من أساليب إدارة المعركة المخولة لقيادة الجيش.. إلا أنه في زمان الفضاءات المفتوحة، ما أسهل ما توضع القضايا ذات المستوى العالي من التخصصية على مائدة العامة، ليطرقها الجميع، بمعرفة أو بغيرها.. كما هو حالنا في جميع القضايا.
نقطة الجدل المحورية كانت بين حق السلطة في إصدار قرارات العفو عن مرتكبي الانتهاكات لمصلحة المعركة، وبين مبدأ العدالة وعدم الإفلات من العقاب، الذي يعتبره بعض الناشطين مبدأ من مبادئ ثورة ديسمبر!
هيئات حقوقية مثل (محامو الطوارئ) رأت، في بيان لها، أن “الاستمرار في إصدار قرارات عفو انتقائية، خاصة في قضايا مثيرة للجدل، يمثل انتكاسة لمطالب العدالة الانتقالية، ويُضعف ثقة الضحايا في مؤسسات الدولة.”
ولكن الغريب في الأمر أن يتجاسر السياسيون الضالعون في التماهي مع المليشيا ومشروعها الإجرامي، أمثال خالد عمر يوسف، على الخوض في القضية واستغلالها لانتقاد شرعية الدولة والحديث عن التسويات الانتقائية وعدم المؤسسية.
قيادة الجيش تتعامل مع ملف العائدين من التمرد كأحد استراتيجيات الحرب وتكيكاتها، تراعي في ذلك المصلحة المتحققة باستمالة القادة أو تحييدهم، ومعلوم أهمية هذه العمليات في إدارة الحرب وتعقيداتها، وهي مسألة ليست جديدة ولا طارئة على تاريخ الحرب في السودان، أو غيره.. وعلى حد قول الأستاذ الدرديري محمد أحمد إن “الدول في حالات النزاع تلجأ أحيانًا إلى إجراءات استثنائية، بما في ذلك العفو، لاحتواء التوترات وبناء تحالفات ميدانية قد تسهم في استقرار الأوضاع.”
وحق الدولة في منح العفو في الحق العام، هو حق قانوني مكفول للحاكم.. وهو ملف منفصل تمام الانفصال إجراءات العدالة فيما يلي الحق الخاص، فذلك شأن السلطة القضائية تتعامل فيه مع ما يرد إليها من شكاوى وبلاغات من الأفراد أو الجهات الاعتبارية التي لها الحق في التقاضي.. ويجب على السلطة القضائية النظر في ما يرفع إليها من قضايا ضد المشمولين بالعفو في الحق العام.
وعند رد المسألة إلى الشرع الحنيف، فإن نصوص الوحي قد تناولت القضية بوضوح في آيات سورة المائدة: { إِنَّمَا جَزَ ٰۤؤُا۟ ٱلَّذِینَ یُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَسۡعَوۡنَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن یُقَتَّلُوۤا۟ أَوۡ یُصَلَّبُوۤا۟ أَوۡ تُقَطَّعَ أَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَـٰفٍ أَوۡ یُنفَوۡا۟ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَ ٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡیࣱ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیمٌ (٣٣) إِلَّا ٱلَّذِینَ تَابُوا۟ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُوا۟ عَلَیۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ (٣٤) }
[سُورَةُ المَائـِدَةِ: ٣٣-٣٤]والآيات واضحة في أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية، إلا أن أكثر الفقهاء وأهل التفسير قالوا إن الذي يسقط عنهم هو ما يتعلق بحقوق الله، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم.
وإلى ذلك ذهب الإمام القرطبي، حيث يقول: “أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط، وظاهر الآية أن من تاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم”.
وقال الآلوسى: قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله-تبارك وتعالى- كما ينبئ عنه قوله فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وينبه السيد الآلوسي إلى الفصل الدقيق بين حق الحاكم وحق المواطنين بقوله: “أما ما هو من حقوق العباد- كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه- فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا فإنهم إن شاءوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا» .
معنى ذلك أن لا يتوجب على الحاكم، في هذه الحالة، أن يطالب بحق المواطنين في الحد إذا لم يتقاضوا، أما إذا تقاضوا فيجب حينئذ إيفاؤهم حقهم، قصاصاً كان أم غيره.
وذهب مفسرون آخرون كابن جرير الطبري وابن كثير إلى أن الآيات تشمل حتى حقوق العباد من قصاص وغيره، إلا ما كان في يده من الأموال المنهوبة، فيجب ردها على أصحابها.
-قال ابن جرير، بعد أن ساق الأقوال في ذلك: «وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قول من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه، قبل القدرة عليه، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته أيام حربه وحرابته، من حدود الله، وغرم لازم، وقود وقصاص، إلا ما كان قائما في يده من أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله» .
وقال ابن كثير: “وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضى سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة.
ثم ساق آثارا في هذا المعنى منها: ما رواه ابن أبى حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة- وكان قد أفسد في الأرض وحارب- فكلم رجالا من قريش فكلموا عليا رضي الله عنه فيه فلم يؤمنه.
فأتى سعيد بن قيس الهمدانى فخلفه في داره ثم أتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين: أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، فقرأ حتى بلغ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فقال على: اكتب له أمانا..».
وعلى هذا فإن الحاكم له الحق في العفو فيما يلي الحق العام، ولا يلزم، في هذه الحالة أن يطالب بالحق الخاص للمواطنين، ولكنه لا يمنح المحارب المشمول بالعفو العام حصانه ضد التقاضي فيما يلي الحق الخاص، فذلك راجع إلى أصحاب تلك الحقوق إن شاؤوا طالبوا بها، أو عفو عنها.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



