سياسةمقالات

امتحانات على مقاس الحرب.. حين تتحول أحلام الطلاب إلى أوراق للمزايدة السياسية

 

أحمد غباشي

 

إذا كانت الحروب تُقاس عادة بعدد الضحايا والنازحين والخراب، فإن المليشيا أضافت للحرب السودانية معياراً جديداً هو؛ عدد الطلاب الذين أصبح مستقبلهم مادة للمزايدات السياسية!.. فإعلان سلطة “تأسيس” تنظيم امتحانات شهادة ثانوية موازية في مناطق سيطرتها ليس مشروعاً تعليمياً بقدر ما هو محاولة رخيصة لتوظيف معاناة الطلاب في معركة الشرعية والنفوذ.

المفارقة أن الجهة التي تقدم نفسها اليوم بوصفها “منقذاً” للطلاب الذين تضيع سنوات عمرهم الدراسي، هي ذاتها الجهة التي كانت تمنع الطلاب في مناطق سيطرتها، خلال السنوات الماضية، من الوصول إلى مراكز الامتحانات الرسمية!.. فقد وثقت تقارير وشهادات عديدة تعرض طلاب ومعلمين لمضايقات واعتقالات أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز الامتحانات أو المساعدة في تنظيم سفر الطلاب. لذلك يبدو المشهد أقرب إلى شخص يغلق الطريق أمامك لسنوات، ثم يعود ليعرض عليك بيع خريطة بديلة للوصول إلى الوجهة نفسها.

السؤال الجوهري ليس: هل تستطيع “تأسيس” عقد امتحان؟ بل: ماذا بعد الامتحان؟.. فالشهادة الثانوية ليست مجرد أوراق وأسئلة وقاعات مراقبة، وإنما وثيقة سيادية ترتبط باعتراف الدولة ومؤسسات التعليم العالي داخل السودان وخارجه.. هل تصدق عصابة تأسيس نفسها حين تتقمص دور الدولة في تنظيم امتحانات تمثل ملفاً قومياً وهي لا تتمتع بأدنى درجة من درجات الاعتراف الدولي أو المحلي؟ حتى من الراعي الإماراتي الذي يدير حربها وافق ضمن الخماسية الدولية على عدم الاعتراف بحكومة موازية في السودان!..

النتيجة أن آلاف الطلاب سيجدون أنفسهم بعد أشهر من الدراسة والانتظار أمام شهادات لا تفتح باب جامعة ولا تمنح فرصة عمل.. مجرد أوراق!…

وفي هذه الحالة تصبح العملية كلها أشبه ببيع تذاكر سفر إلى وجهة لا وجود لها على الخريطة. الطالب يذاكر، والأسرة تدفع وتنتظر، ثم يكتشف الجميع أن المشكلة لم تكن في الامتحان نفسه، بل في قيمة ما ينتج عنه.

خدعة أخرى مثل خدعة “بنك المستقبل”.. وخدعة “البنك المركزي” عملتها الجديدة وتعيين جنقول!..

ولأجل ذلك فإن أغلب الطلاب وأُسرهم، رفضوا الانجرار خلف هذا الوهم الذي تسوقه لهم المليشيا سلطتها المسماه تأسيس.. التقارير تُشير إلى أن عدد الجالسين للامتحانات عصابة تأسيس لم يتجاوز الـ 10 آلاف طالب، مقارنة بـ 150 ألف طالب، الذي هو آخر رقم سُجّل للجالسين لامتحانات الشهادة السودانية في دارفور قبل الحرب!.

 

واضح أن عصابة تأسيس تحاول نقل الانقسام من ميدان الحرب إلى ميدان التعليم.. حيث قادهم خيالهم البائس إلى الحلم بإيجاد منظومتين تعليميتين وشهادتين مختلفتين وسلطتين متنازعتين على حق منح المؤهلات الأكاديمية.. وخاب فألهم.

لقد ظلت الشهادة السودانية، لعقود طويلة، واحدة من آخر المؤسسات القومية التي حافظت على وحدتها رغم الأزمات السياسية المتعاقبة.. لكن المليشيا تصورت أن ما فشلت في تقسيمه بالحرب يمكنها تقسيمه عبر قاعات الامتحانات!

 

بعض البسطاء يلقون باللائمة على الحكومة السودانية، بزعم أن عصابة تأسيس وافقت على مقترح فتح مراكز للامتحانات هذا العام في مناطق سيطرتها تتبع لوزارة التربية وإدارة الامتحانات، ولكن الحكومة رفضت المقترح بشكل قاطع..

وفات على هؤلاء البسطاء أو المبسِّطون للأمور، أن امتحانات الشهادة الثانوية ليست مجرد شأن تربوي، بل ملف أمني وسيادي معقد. ولهذا السبب لا تستطيع الدولة اتخاذ ذلك الإجراء بسبب غياب البيئة الأمنية اللازمة لضمان سرية الامتحانات وسلامة إجراءاتها.

كما أن الثقة المطلوبة لحماية أوراق الامتحانات وتأمينها ومراقبة سيرها تكاد تكون معدومة في مناطق ما تزال تشهد اضطرابات أمنية وعسكرية مستمرة.. فضلاً عن أن المليشيا نفسها غير مؤتمنة!.. حيث يمكن تتوقع حدوث كل شيء سيئ من تلك العصابة الفوضوية.. وحتى لو وُضعت ضمانات أممية أو دولية، فإن السؤال سيظل قائماً: من يضمن نزاهة العملية ومصداقية النتائج في بيئة لم تستطع حتى الآن توفير الحد الأدنى من الاستقرار؟.

 

تحاول عصابة تأسيس تصوير الأمر على أنه مسعى لمعالجة أزمة تعليمية حقيقية، لكنها في الواقع تعبث بمستقبل جيل كامل، ولا تبالي.. فالطلاب لا يحتاجون إلى امتحانات رمزية أو شهادات محل نزاع، وإنما إلى حلول تضمن لهم مستقبلاً معترفاً به داخل السودان وخارجه.

ولهذا فإن أسوأ ما في المشروع ليس أنه امتحان موازٍ، بل أنه يبيع الأمل لطلاب منهكين من الحرب، وهو في الحقيقة وهم سراب، سرعان ما يتبدد مع إعلان النتائج!.. وفي مثل هذه الحالات، تصبح المتاجرة بأحلام الشباب أكثر قسوة من حرمانهم من الامتحان نفسه.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى