تقاريرسياسة

الانتقام من المدنيين.. آخر أوراق المليشيا الخاسرة

 

تقرير: الطابية

 

في الحروب، كثيراً ما يكون سلوك القوات المنسحبة مؤشراً على حالتها العسكرية. فالقوة المنظمة تنسحب وفق خطط واضحة، أما حين يتحول الانسحاب إلى عمليات نهب وقتل واستهداف للمدنيين، فإن ذلك يكشف أن الأزمة لم تعد عسكرية فحسب، بل أصبحت بل دلالة على فوضى انضباط وقيادة وأخلاق.

وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في شمال كردفان، حيث ترافقت خسائر مليشيا آل دقلو في عدد من المناطق مع موجة من الهجمات الانتقامية البربرية ضد قرى وأسواق بعيدة عن ميادين القتال.

 

فرار مذعور.. وانتقام مجنون

 

فبعد فرارها المذعور من مناطق عدة، إثر الاجتياح الأخير للجيش، لم تتجه عناصر المليشيا إلى إعادة تنظيم صفوفها، بل اتجهت نحو القرى والأسواق، تنهب الممتلكات وتقتل وتعتدي وتعتقل المواطنين العزل، تحت الذرائع المعتادة.. كالتعاون مع الجيش” أو تزويده بإحداثيات الطيران..وهي اتهامات ظل عناصرها يرددونها كلما تحركت غرائزهم الوحشية للنهب والبطش والعدوان.. وهي لا تنفصل عن حالة الإرباك التي تعيشها المليشيا بعد خسائرها الأخيرة، إذ غالباً ما تلجأ المليشيات الفوضوية عند هزيمتها إلى تحميل المدنيين مسؤولية إخفاقاتها الميدانية.

والأعجب في الأمر أن هذه الاعتداءات لم تقتصر على المناطق التي شهدت عمليات عسكرية، بل طالت مناطق خاضعة أصلاً لسيطرة المليشيا، كما حدث في منطقة (الجمامة)، حيث وثقت منظمات حقوقية عمليات اعتداء ونهب وإجبار للأسر على النزوح، بالإضافة إلى استهداف المدنيين بهجوم مسيرة أودت بحياة تسعة أشخاص!.

وعندما تهاجم قوة مسلحة السكان الواقعين تحت سيطرتها، فإنها لا تخوض معركة ضد خصم عسكري، وإنما تمارس سياسة ترهيب تهدف إلى زرع الخوف والرعب في قلوب المواطنين الأبرياء العزل، في الوقت الذي تعيش فيه هي ذات الخوف.

 

سلوك عصابات وسياسة الأرض المحروقة

 

هذه الوقائع تعكس تحولاً متزايداً في طبيعة المليشيا. فكلما تقلصت سيطرتها العسكرية، أندفعت إلى ممارسة سلوك العصابات المسلحة التي تعتمد على السلب والنهب كمصدر للتمويل، واستخدام العنف ضد المدنيين وسيلةً لإثبات النفوذ.

ويوحي استهداف الأسواق والمنازل بأن الدافع الاقتصادي بات حاضراً بقوة، في ظل الضغوط التي تواجهها المليشيا على أكثر من جبهة.

وفي الوقت نفسه، تبدو هذه الهجمات جزءاً من محاولة لإفراغ المناطق من سكانها وخلق حالة من الخوف تمنع أي تعاون مع الجيش أو السلطات المحلية.

إنها سياسة الأرض المحروقة بصيغة أخرى؛ فإذا تعذر الاحتفاظ بالأرض، يصبح الهدف حرمان الطرف الآخر من الاستفادة منها، حتى لو كان الثمن تهجير المدنيين وتدمير مصادر رزقهم.

 

الطريق إلى سودري وسباق خطوط الإمداد

 

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن التحركات العسكرية في شمال كردفان، حيث تتجه الأنظار إلى سودري، التي تمثل عقدة لوجستية مهمة تربط دارفور بوسط السودان. ومع تصاعد الضربات الجوية واستمرار تقدم الجيش، تبدو المليشيا في سباق مع الزمن للحفاظ على آخر خطوط إمدادها، وهو ما يفسر حدة المواجهات، وتصاعد الاعتداءات على المدنيين في المناطق التي تنسحب منها.

 

خطاب حميدتي.. محاولة احتواء الإحباط

 

وفي هذا السياق يأتي الخطاب الأخير لقائد المليشيا، الذي بدا منفعلاً بالتطورات الميدانية المتسارعة، وسلسلة من الخسائر التي تعرضت لها قواته في شمال كردفان، وقبلها في دارفور والنيل الأزرق.

ويقرأ مراقبون هذا الخطاب بوصفه محاولة لاحتواء حالة الإحباط المتزايدة داخل صفوف المليشيا، وإعادة رفع الروح المعنوية لعناصرها في ظل الضغوط العسكرية المتصاعدة. كما حمل رسائل طمأنة للقيادات الميدانية والجنود بأن المليشيا ما زالت قادرة على مواصلة القتال، في وقت تشير فيه الوقائع على الأرض إلى تضييق الخناق على مواقعها وتراجع قدرتها على الاحتفاظ بالمناطق التي تسيطر عليها. ومن هذا المنظور، بدا الخطاب أقرب إلى محاولة لامتصاص آثار الانتكاسات الأخيرة وإظهار تماسك القيادة، أكثر من كونه إعلاناً عن تحول جديد في مسار المعركة.

 

إن ما يجري في شمال كردفان يتجاوز كونه تطوراً ميدانياً عابراً، إلى كونه يعكس مرحلة جديدة من رحلة الهزيمة، يصبح فيها المدنيون الهدف الأسهل أمام المليشيا كلما ضاقت امامها الخيارات العسكرية.. فالانتقام من السكان لا يعوض خسارة المعارك، لكنه يكشف حجم الأزمة التي وصلت إليها القوة المنسحبة.. ولكنه في نفس الوقت يعكس حالة الارتباك الجنوني مع الإحباط الذي وصلت إليه المليشيا.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى