
تقرير: الطابية
بينما يضيق الجيش السوداني الخناق على مليشيا الدعـ م السـ ريع محور في كردفان، ويتقدم لقطع طرق الإمداد الحيوية، تشتعل في الكواليس الإقليمية تحركات محمومة لإعادة ترتيب شبكات الإمداد قبل أن تنهار بالكامل.
طائرات “بوينغ 727” تنقل السلاح والمرتزقة، وزيارة نجل حفتر إلى نجامينا لضمان تدفق الوقود، وممرات جديدة بين ليبيا وتشاد والسودان.. كلها خيوط تكشف عن سباق من نوع مختلف؛ سباق بين تقدم الجيش الذي يخنق شرايين المليشيا، وشبكة إقليمية تسعى لفتح شرايين بديلة.
طائرات “بوينغ 727”.. شبكة أمريكية لنقل السلاح والمرتزقة
كشفت مسودة تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة عن تفاصيل مثيرة حول شبكة لوجستية عابرة للحدود. واعتماداً على “معلومات موثوقة” من أربعة مصادر، وثقت اللجنة أن ثلاث طائرات “بوينغ 727” نقلت “مقاتلين تابعين لقوات الدعـ م السـ ريع ومرتزقة، بالإضافة إلى معدات عسكرية، تضم طائرات مسيرة وأسلحة”. هذه الطائرات تعمل انطلاقاً من المربض العسكري لمطار نجامينا الدولي في تشاد، ضمن ممر جوي يربط بين تشاد ومراكز لوجستية في السودان وليبيا والصومال، في خرق صارخ لحظر الأسلحة الأممي المفروض على دارفور منذ 2004.
والأخطر أن ملكية هذه الطائرات تعود إلى شركات مرتبطة بالمتعاقد العسكري الأمريكي السابق ستيفن شوليس وشريكه كريغ مونرو، مما يطرح أسئلة محرجة عن دور واشنطن في مراقبة أنشطة شركاتها ومواطنيها المتورطة في تغذية الحرب السودانية.
ابن حفتر في انجامينا.. السباق على الوقود
مع تقدم الجيش في كردفان وتكثيف ضرباته للممرات اللوجستية، تحركت أطراف إقليمية لإعادة ترتيب شبكات الإمداد. وبحسب مصادر عسكرية في بنغازي ومصدر خاص تحدث لـموقع”عربي بوست”، فإن زيارة صدام حفتر إلى نجامينا تجاوزت ملفات التعاون الأمني كما ورد في البيانات الرسمية، لتركز على “بحث إعادة ترتيب خطوط الإمداد المرتبطة بالحرب السودانية”.
المفاجأة أن الهدف الرئيسي، بحسب المصدر، لم يكن إيجاد ممر جديد للأسلحة، بل “ضمان استمرار وصول الوقود” إلى المليشيا. فالوقود أصبح “الحلقة الأكثر حساسية” في المنظومة اللوجستية، لاعتماد المليشيا على العربات رباعية الدفع في التنقل بين دارفور وكردفان. أي اضطراب في إمدادات الديزل والبنزين ينعكس مباشرة على قدرتها على المناورة ونقل المقاتلين.
وتنسجم هذه الرواية مع دراسات المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة التي وثقت تحول تجارة الوقود بين جنوب ليبيا وتشاد والسودان إلى أحد أبرز مكونات اقتصاد الحرب، إلى جانب تهريب السلاح والذهب والمقاتلين.
الممرات البديلة.. هل تنجح المليشيا في فتح شرايين جديدة؟
مع تضييق الجيش الخناق على الممرات التقليدية، تسعى الأطراف الداعمة للمليشيا إلى فتح مسارات بديلة. وبحسب المعلومات، فإن مباحثات صدام حفتر والرئيس التشادي تطرقت إلى “تصاعد نشاط مجموعات مسلحة في الجنوب الليبي”، تقودها مجموعة محمد وردقو، والتي تتحرك في مناطق قد تكتسب أهمية متزايدة إذا تغيرت مسارات الإمداد بين ليبيا وتشاد والسودان.
خنق الأفعى من رأسها
تقدم الجيش في كردفان ليس مجرد انتصار عسكري، بل هو ضربة استراتيجية لشبكة الإمداد التي تغذي حرب المليشيا منذ عامين ونصف. فكردفان هي حلقة الوصل بين دارفور ووسط السودان، والسيطرة عليها تعني عزل المليشيا في دارفور عن بقية الجبهات، وقطع الشرايين التي تتنفس منها.
لكن الحرب في كردفان تكشف أيضاً عن بُعد آخر لا يقل أهمية؛ إنها معركة لوجستية بامتياز. فالجيش الذي يتقدم على الأرض ويستخدم المسيرات لاستهداف خطوط الإمداد، يخنق المليشيا اقتصادياً قبل خنقها عسكرياً. وفي المقابل، تكشف التحركات الإقليمية المحمومة عن حقيقة استراتيجية بالغة الدلالة: المليشيا بلا وقود هي مليشيا مشلولة، وبلا مرتزقة هي مليشيا منهكة، وبلا أسلحة هي مليشيا في طريقها إلى الزوال.
النجاح في كردفان لن يقاس بعدد البلدات المحررة وحدها، بل بمدى قدرة الجيش على إغلاق هذه الممرات بشكل كامل، وخنق الشبكة الإقليمية التي تحاول يائسة إنقاذ مشروع المليشيا. وكما أن تقدم الجيش على الأرض يحرر المدن، فإن تقدمه على مسارات الإمداد يحرر المستقبل.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



