اقتصادتقارير

ذهب السودان كنز الدولة المفقود.. هل تفلح الإجراءات الحكومية في وضعه تحت السيطرة؟

 

تقرير: الطابية

بينما تفرض أوروبا حظراً عقابيًا على استيراد الذهب السوداني، تكشف الأرقام الرسمية عن إنتاج قياسي للذهب في 2025 بلغ 70 طناً. الأمر الذي جعل الحكومة السودانية تتحرك لتعزيز سيطرتها على المعدن الذي يذهب أكثر من 80 % من إنتاجه عبر التهريب سَرَباً!..
لكن السؤال الأهم يظل؛ كيف يمكن للسودان أن يستفيد من هذه الثروة الهائلة في وقت تتداخل فيه المصالح الإقليمية، ويستشري التهريب، وتتعالى الأصوات المطالبة بتنظيم القطاع؟

إجراءات حكومية لتنظيم التعدين الأهلي

في خطوة تستهدف استعادة السيطرة على قطاع ظل لعقود خارج إطار الدولة، أقرت الحكومة السودانية حزمة إجراءات جديدة لتنظيم التعدين الأهلي، أبرزها:
– البدء في إصدار بطاقات تعريفية لجميع المعدنين التقليديين.
– حصر العاملين في قطاع التعدين وإخضاعهم للرقابة الرسمية.
– تحويل التعدين الأهلي إلى قطاع منظم يخضع للقوانين.
– الحد من الآثار البيئية والصحية للتعدين.
– تأمين المناطق العسكرية والسكنية ومنع الأنشطة غير القانونية.
وترتبط هذه القرارات بحزمة أوسع من الإجراءات الحكومية لتنظيم قطاع التعدين، ومكافحة تهريب الذهب، وتعزيز الحوكمة والرقابة على القطاع. فبعد سنوات من الفوضى، يبدو أن ثمة إرادة سياسية لضبط واحد من أهم موارد البلاد، الذي طالما كان اقتصاداً موازياً خارج سيطرة الخزانة العامة.

أرقام قياسية.. وشركات جديدة

تكشف أحدث البيانات الرسمية أن إنتاج السودان من الذهب بلغ نحو 70.15 طن خلال عام 2025، متجاوزاً المستهدف البالغ 62.02 طن، بنسبة إنجاز وصلت إلى 113%. وجاء التعدين التقليدي في صدارة مصادر الإنتاج بإجمالي 58.38 طناً، تلاه إنتاج شركات معالجة المخلفات بنحو 5.68 طن، ثم شركات الامتياز بإنتاج بلغ 5.96 طن، في حين سجل التعدين الصغير نحو 0.14 طن.
وعلى صعيد الإيرادات، حقق قطاع الذهب دخلاً بلغ نحو 1.087 تريليون جنيه سوداني خلال 2025، بما يعادل نحو 1.81 مليار دولار، بنسبة إنجاز بلغت 132% من المستهدف، وبزيادة قدرها نحو 295 مليار جنيه سوداني مقارنة بالعام السابق. كما بلغت صادرات السودان من الذهب الحر نحو 12.507 طن، محققة حصيلة تقارب 1.3 مليار دولار.
في تطور يعكس صمود قطاع التعدين رغم الحرب، أكد المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، محمد طاهر عمر، دخول 17 شركة تعدين إلى مرحلة الإنتاج الفعلي في جنوب كردفان، من بين 61 شركة تعمل بالولاية. هذه الخطوة تمثل دفعة قوية لقطاع التعدين، وأشاد المسؤول بجهود حكومة الولاية في الحفاظ على استمرار النشاط رغم الظروف التي فرضتها الحرب.
هذه الأرقام، رغم ضخامتها، تطرح سؤالاً جوهرياً: أين ذهب الفارق بين 70 طناً منتجاً و12.5 طن مصدر رسمياً؟ الإجابة تكمن في فجوة التهريب التي لا تزال تبتلع أكثر من 80% من الإنتاج الكلي.

90% من الصادرات تبتلعها الإمارات ومصر!

بلغت صادرات السودان من الذهب 1.54 مليار دولار خلال 2025، وفق بيانات البنك المركزي. وتصدرت الإمارات قائمة المستوردين بقيمة 864.9 مليون دولار، بما يعادل 56.3% من إجمالي الصادرات، تلتها مصر بواردات بلغت 516.8 مليون دولار، تمثل 33.6% من الإجمالي. وجاءت عُمان وقطر وإثيوبيا والأردن ضمن الجهات المستورة، لكنها استحوذت مجتمعة على أقل من 10%.
هذه الأرقام تثير تساؤلات عميقة حول وجهة الذهب السوداني. فالإمارات، المتهمة بدعم المليشيا المتمردة وتسهيل تهريب الذهب من مناطق سيطرتها، تستحوذ على أكثر من نصف الصادرات الرسمية!.. وبينما تذهب الكميات الرسمية إلى أبوظبي والقاهرة، تذهب كميات أكبر عبر طرق التهريب التي تنتهي غالباً في الأسواق نفسها.

العقوبات الأوروبية.. تأثير محدود

أثار قرار الاتحاد الأوروبي فرض حظر على استيراد الذهب السوداني، إلى جانب الزئبق والسيانيد، نقاشاً واسعاً حول مدى تأثيره على الاقتصاد. ويرى خبراء اقتصاديون أن التأثير المباشر للعقوبات الأوروبية سيكون محدوداً، مستندين إلى أن السودان لا يصدر الذهب بصورة مباشرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، بينما يرتبط استمرار تهريب الذهب بأسواق ودول وسيطة، وهو ما يجعل تتبع منشأ المعدن النفيس أمراً بالغ الصعوبة.
وبعبارة أخرى، الاتحاد الأوروبي يفرض حظراً علي ذهب لا يصله أصلاً، بينما الدول التي تستقبل الذهب السوداني (رسمياً ومهرباً) لا تفرض عليه قيوداً تذكر. هذا الواقع يجعل من العقوبات الأوروبية إجراءً رمزياً أكثر منه عملياً.

إجراءات الحكومة.. هل تكفي لكسب الجولة؟

من الواضح أن الحكومة، عقب الإجراءات الجديدة التي أعلنتها، ستواجه جولة عنيفة قبل التمكن الاستفادة أرقام الإنتاج القياسية.. فلا تزال تحديات كبرى تواجه قطاع الذهب عليها التعامل معها، أهمها:
– شبكات التهريب، ولوبيهات الفساد، فالفجوة بين الإنتاج والتصدير الرسمي لا تزال هائلة، مما يعني أن مليارات الدولارات تخرج من الاقتصاد السوداني سنوياً.
– سيطرة المليشيا على مناطق إنتاج رئيسية في دارفور وكردفان، مما يجعل تطبيق الإجراءات الجديدة مستحيلاً في مناطق خارج سيطرة المليشيا.
– الآثار البيئية والصحية الكارثية الناجمة عن استخدام الزئبق والسيانيد في التعدين الأهلي، وهو ما تتعهد الإجراءات الجديدة بمعالجته.
– تبعية الصادرات لأسواق محدودة، حيث تركز أكثر من 90% من الصادرات في سوقين فقط (الإمارات ومصر) يجعل السودان عرضة لأي ضغوط أو تلاعب بالأسعار.

تنظيم القطاع.. معركة سيادة

الإجراءات الحكومية الجديدة لتنظيم التعدين الأهلي، والأرقام القياسية للإنتاج، ودخول شركات جديدة للإنتاج، كلها مؤشرات إيجابية على طريق استعادة الدولة لسيطرتها على واحد من أهم مواردها. لكن الطريق لا يزال طويلاً، والنجاح الحقيقي لن يتحقق إلا بوقف التهريب، وبسط سيطرة الدولة على كل مناطق الإنتاج، وتنويع أسواق التصدير.
وفي نهاية المطاف، يظل الذهب السوداني سلاحاً ذا حدين: يمكن أن يكون قاطرة لإنعاش الاقتصاد وتمويل إعادة الإعمار، كما يمكن أن يكون وقوداً للحرب وسبباً لاستمرارها. والخيار بين هذين المسارين تحدده قدرة الدولة على فرض سيادتها، وإرادتها في ضبط قطاع ظل طويلاً خارج سيطرة القانون.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى