مقالات

*صفعوها في (نيالا).. فصرخت في (الخرطوم)!!*

 

*أحمد غباشي*

من حكايات الزمن القديم، أن أحد أبناء قرى جنوب السودان سأل أخاه المتحضر عن “التلفون” ما هو؟ فأراد أن يشرح له الأمر بشكل يفهمه، فقال: لو كان هناك كديس “قط” في (جوبا)، وطرف ذيله الطويل في (الخرطوم)، ثم جاء أحدهم ووطئ برجله على طرف ذيله، أين سيصرخ الكديس: (نياوو)؟!.. قال: في (جوبا)!!..قال: هذا هو التلفون!.
واللص يعض على أضراسه من الألم، ولكنه لا يقوى على الصراخ، حين تتلقى يده التي امتدت لتختلس شيئاً في الظلام، ضربة عنيفة من عصا حديدية مدببة..سيبتلع ألمه في أحشائه خشية افتضاح أمره، ولكنه يتحين أقرب فرصة بعيداً عن جريمته ليطلق عقيرته بالعويل والصراخ!!.
وأبوظبي التي تجرعت الألم المُمض، ومضغت لسانها وهي تكتم رغبتها في الصراخ، إثر الصفعة الموجعة التي ووجهها لها الطيران السوداني في مطار نيالا..فإذا بها بعد تطلق عقيرتها بالصراخ والعويل، ولكن في الخرطوم!!..
لقد كانت صفعة مؤلمة، فقد كلفت الإمارات أربعة قتلى وتسعة مصابين، بعد أن قُصفت طائرتهم وهي تفرغ حمولتها من الأسلحة والعتاد الحربي، الذي تجلبه للمليشيا من أجل قتل السودانيين.. لم تستطع أبو ظبي حينها إلا أن تتكتم على الخبر وتبتلع وجعها على مضض، فأي كلام يقال في ذلك الموقف يؤكد ضلوعها في جرائم قتل السودانيين وتشريدهم بدعمها المتواصل للمليشيا!.. ولكنها بحثت عن حجة قريبة لتنطلق بالصراخ البكاء!!..
قالت الخارجية الإماراتية إن مقر سفيرها بالخرطوم تعرض لهجوم من طائرة تابعة للجيش السوداني..منددة بما أسمته “الاعتداء الغاشم”، وقالت إنه أوقع أضراراً جسيمة بالمبنى، وطالبت الجيش السوداني، بتحمل مسؤوليته كاملة عما وصفته بـ “العمل الجبان”!!..
ولم تكتف أبو ظبي بهذا العويل البائس، بل مضت تولول بأنها ستقدم مذكرة احتجاج لكل من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة على الانتهاك الصارخ للمبدأ الأساسي المتمثل في حرمة المباني الدبلوماسية!!.. مؤكدة رفضها الدائمة لجميع أشكال العنف والإرهاب التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار وتتنافى مع القانون الدولي!!..
لست أدري أي معتوه هذا الذي ركَّب لها هذه الكلمات، “زعزعة الأمن والاستقرار”، وأين؟ّ!.. في قلب الخرطوم التي حولتها أموالها وأسلحتها المجرمة إلى خرائب وبيوت أشباح؟!..المؤسف أن بعض الدول الخليجية، من باب المجاملة، مضت تدين وتشجب قصف المباني الدبلوماسية، دون أن تستبين ما وارء الأمر من خبايا!.
والخارجية السودانية، في معرض ردها على بيان الإمارات، وصفت البيان بالمزاعم الكاذبة، وقالت إنه “محاولة للتغطية على التقارير الدولية التي تفضح دور الإمارات الشرير في استمرار وتسعير الحرب في السودان”..
على الدبلوماسية السودانية أن لا تجهد نفسها كثيراً في تعقب العويل الإماراتي هنا وهناك، ولا في النفي وإثبات العكس.. بل من الجيد أن تمضي الإمارات قدماً في رفع ما تهدد به من مذكرات!!.. وستكون هناك أسئلة منطقية واضحة على الإمارات أن تجيب عليها قبل كل شيء.
أولاً: وعلى فرض أن مقر السفير الإماراتي في الخرطوم، تعرض فعلاً للقصف، والخرطوم هي منطقة عمليات حربية، وغادرتها جميع البعثات الدبلوماسية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، ومن ضمنها البعثة الدبلوماسية الإماراتية، وحتى الحكومة السودانية نقلت مقارَّها إلى العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان، وأي بعثة دبلوماسية تريد أن تباشر أعمالها، تباشرها من مقر جديد تمنحه له الحكومة في بورتسودان.. بالتالي فإنه من المتوقع، في مناطق العمليات الحربية، أن يتعرض أي مبنى للقصف حال وقوع الاشتباكات، مثل التي وقعت الأسبوع الماضي، فهذا أمر طبيعي في الحروب، فكيف عرفت الإمارات أن القصف كان استهدافاً؟!.
ثانياً: السؤال المنطقي أيضاً: هو كيف عرفت الإمارات أن طائرة تابعة للجيش السوداني تعمدت قصف منزل سفيرها؟!.. هل كان منسوبوها موجودين هناك، فشاهدوا وصوروا؟!..وفي هذه الحالة؛ عليهم توضيح سبب وجودهم في منطقة عمليات حربية!..إلا إذا كانت قد استقت المعلومة من أطراف أخرى كانت تستغل المقر أو تباشر القتال فيه!.. فمن إذن هذه الأطراف، وما هي صلتها بالإمارات؟!..
ثالثاً: كيف يمكن لأي دولة تحترم نفسها أن تغمض عينيها عن مئات البشر الذين يُقتلون بغير ذنب جراء القتال، وعن المستشفيات المرافق الصحية التي يدكها القصف العشوائي للمليشيا، لتحتج على تعرض مبانيها، الخاوية، للقصف الذي يمكن أن يطال كل شيء!.. أم كانت أبو ظبي تريد من الجيش السوداني أن يترك واجباته في حماية البلاد من تخريب المرتزقة الذين تمولهم هي، ويقف حارساً على مبانيها الدبلوماسية، ليصرف عنها القذائف المتساقطة في كل مكان!!.
رابعاً: لماذا لم ترفع الإمارات عقيرتها بالاحتجاج، عندما نُهبت سفارتها في الخرطوم، ضمن غيرها من السفارات والقنصليات التي نهبتها مليشيا الدعم السريع في بداية تمردها، وهي واقعة ثابتة لا جدال فيها، حتى وإن صمتت عنها الإمارات فلم تنبس ببنت شفة في إدانة ذلك العمل، ولم تصفه بالإرهاب كما تفعل اليوم وهي ترمي بالتهم جزافاً.
والحقيقة أنه ليس سهلاً على الإمارات، بعد ضربة نيالا، التي جاءت في وقت ازدحمت فيه التقارير التي تحمل الأدلة على وقوفها وراء حرب السودان، ومساندتها المليشيا المتمردة بالمال والسلاح، ليس سهلاً أن عليها أن تبتلع كل تلك الضربات الدبلوماسية، والصفعات العسكرية، دون تعوي بالصراخ؟!.. ولكنها ما وجدت سبيلاً إلى ذلك إلّا ببيت سفيرها بالخرطوم!.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى