حوارحوارات وتحقيقاتسياسة

أ.د الساعوري في حوار الراهن السياسي: أكبر السيناريوهات .. حرب أهلية أو انقلاب عسكري

حمدوك كرت محروق داخليا وخارجياً واستقالته بسبب فشله

النظام السياسي بعد الثورة ليس له قيادة ونظام ليس بالنظام

 

لقد مرت البلاد بعد ثورة 19 ديسمبر 2019م والتي أطاحت بنظام الأنقاذ وخلال السنوات الثلاث الماضية مرت بتحولات سياسية تاريخية عديدة وتعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية شغلت المشهد السياسي، منها أنقلاب 25 أكتوبر الذي قام به قائد الجيش الفريق البرهان والتى اسماها الخطوات التصحيحة، وآخر تعقيدات المشهد السياسي أرهاصات استقالة حمدوك (الطابية) أجرت حوار مع البروفسر حسن عبد الله الساعوري المحلل السياسي والباحث والأكاديمي واستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين والمدير السابق لعدد من الجامعات، أجرت معه حواراً لقراءة وتحليل الوضع السياسي الراهن بالبلاد وتعقيداته والتفسير لما يجري من أحداث متسارعة، وقراءة لما ستؤول إليه الأوضاع بالسودان، والواقع المتأزم.. فجاءت قراءته صادمة للمشهد السياسي، فمعاً نطالع ما دار بالحوار.

حوار:منال صديق

البروفيسور حسن نبدا معك من آخر تعقيدات المشهد السياسي وما رشح من خبر تقديم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك استقالته.. فماهي الأسباب في أعتقادكم ،وقد تناقلت بعض الأخبار عددأً من الأسباب غير المؤكدة لتلك الاستقالة؟

حمدوك بدأ كرمز لثورة ديسمبر واستمر كذلك رمزاً بقوة بعد انقلاب 25 اكتوبر, لكنه رغما عن صفته بأنه رمز للثورة أصابت الناس خيبة أمل في قدراته السياسية، وحتى قدراته التصورية لقيادة السودان مستقبلاـ وقد اعتبره الجميع صاحب قدرات ومؤهلات وخبير دولي وبالتالي يستطيع أن يحرك اهداف الثورة ويحقهها بالصورة المطلوبة، لكن الناس اصيبوا بخيبة أمل منذ أول تصريح له والذي أوضح فيه أن ” تجمع الحرية والتغير لم يعطوه برنامجاً وبالتالي هو منتظرهم لوضع برنامج لقيادة الدولة”   وهو كقائد ورمز وخبير ينبغي أن لا يقول مثل هذا فتصريحه أصاب الراي العام السوداني باحباط شديد لانه تأكد بأنه لم يكن الشخص الملائم الذي في مقدرته قيادة البلاد وتحقيق أهداف الثورة , أضافة إلى ذلك، منذ بدأ كرئيس وزراء لم يقدم شيئا ولم يستطيع أن يطلب من مجلس الوزراء برنامج محدد لسياسيات معروفة ومحددة لعمل كل وزارة، فالشخص اذا كلف ولم يكن هنالك برنامج يطلب من كل وزير تقديم برنامجه؛ فمثلا وزير الصحة يقدم برنامج، وزير الزراعة يقدم برنامجه، بما عنده من سياسيات ثابتة لسير الوزارة، وتناقش هذه السياسيات في مجلس الوزراء ويعتمدها, فمن ناحية عملية فشل حمدوك في أن يوجه الوزرات المختلفة بوضع تصور مستقبلي حسب أداء بما هو مسمى لكل وزارة، فنظريا فشل عند الناس.. وليس لديه القوة التي يضع بها برنامج، وليس لديه هو برنامج..ثانيا لم يستطيع أن يقود الوزراء الآخرين لعمل برنامج..ثالثا برنامج الثورة واضح جدا فالثورة أهداف محددة تتكون موسسات لانتقال البلد للديمقراطية.

المعارضة والحكومة تعملان علي القاعدة الصفرية يا أنا يا أنت

ولكن حمدوك نسى كل هذا، الذي هو في الأصل مكتوب في الوثيقة الدستورة ولم يلتزم بها، ولم يعمل به، وبالتالي يمكن القول إن حمدوك لا هو بالخبير ولاهو بالقائد ولا هو بالسياسي، وأصبح لايساوي شئياً في الراي العام، ولا حتى عند أهل الحرية والتغيير أنفسهم.. فعندما حدث الانقلاب التصحيحي كانت فرصته في أن يعود لأن العالم كان يتكلم باسمه، والشارع يتكلم باسمه، والحرية والتغير تتكلم باسمه وأعيد على الرغم من مجلس السيادي الجديد، وعلى الرغم من المكون العسكري !!. وعاد وبعد عودته انتظر الناس ثلاثة أسابيع، بل أربعة، أن يكون حكومة كفاءات، لكنه فشل, فقد يكون على خلاف مع المكون العسكري, أو قد يكون على خلاف مع جناحي الحرية والتغيير المركزي والميثاق الوطني، لكنه كان يجب عليه أن يهمل أي خلاف لأنه أصبح رئيساً للورزاء, وكان يجب عليه أن يتصرف لكنه لم يستطيع التصرف، وعندما فشل ووجد نفسه في موقف لايحسد عليه، فكّر في الأستقالة!!.. ويمكن أن أضيف على ذلك قد تكون التعينات التى ألقاها البرهان واستبدلها بأخرى، قد تكون سببت له مشاكل لأنه أتى بـ “وكلاء وزارات” قد يكون من بعضهم من جناح الحرية والتغيير (المركزي)، ولم ياتى بأحد من جناح الميثاق، وبالتالي الصراع بين الجناحين دخل في هذه التعينات، وقد يكون التعيين للقمان محمد احمد من جديد كمدير لهيئة الإذاعة والتلفزيون، قد يكون من الأسباب.. ولكن هناك سببان أساسيان جعلاه في موقع يتوقع الناس منه أن يستقيل أو يذهب, والآن إذا استقال أم لم يستقل فهو أصبح كرتاً محروقاً عند الحرية والتغيير، كرتاً محروقاً عند الراي العام.. وقد يكون كرتاً محروقاً دولياً، فبالتالي أصبح حمدوك (good for nothing) أي أنه غير مفيد لأنه فقد مصداقيته مع جناحي الحرية والتغير، وهو فاقد أصلاً لمصداقيته مع المكون العكسري، وفاقد مصداقيته عند الشارع السوداني.. وقد يكون فقدها دوليا كذلك!!.

هل معنى هذا الكلام أن حمدوك وراء فشل ثورة ديسمبر؟

فشل الثورة عام ليس بسبب حمدوك وحده.. فالحرية والتغيير، تتكون من عناصر ذات انتماءات من أقصى اليمين إلى أقصى

الصراع بين جناحي الحرية والتغيير من أسباب فشل الثورة

اليسار.. وهذه العناصر، منذ أول يوم، رفضت اختيار قيادة مفوضة!!.. هذا يعني أن حمدوك لايستطيع أن يتعامل مع مجموعة من أقصى اليمين ومجموعة من أقصى اليسار ومجموعة من الوسط، لذلك أصبح من المستحيل أن تكون هنالك كلمة واحدة للحرية والتغيير، هذا قبل الانشقاق، وبعد توقيع اتفاق جوبا أصبحو جناحان، فالحرية والتغير فشلت في تشكيل قيادة واحدة مفوضة تتعامل مع رئيس الوزراء وتتعامل مع مجلس السيادة تعاملاً واحداً..وليس تعاملاً مشتتاً، وبالتالي أصبح كل طرف (يجابد) من ناحية وكل طرف يشد من ناحية آخرى حمدوك يتخذ قراراً ويأتي ب”فولكر”!!.. والبرهان يتخذ قراراً ويطبع مع إسرائيل..ولا الرأي العام يقبل بفولكر ولا يقبل بالتطبيع إسرائيل!!.. وتصبح سياسية رسمية للاثنين!!.. والحرية والتغيير لا تتكلم.. فأصبح النظام السياسي بعد الثورة نظاماً ليس له قيادة، وليس له وجهة واحدة محددة, وليس له ترتيبات ولا أولويات..أصبح نظاماً ليس هو بالنظام!!.

إذن في وجهة نظرك إلى أين سيفضي هذا الوضع المتأزم بالبلاد؟.. هل سيقود إلى انقلاب أم حرب أهلية؟.. أم وفاق أم انتخابات مبكرة؟

البلد الآن أمام مشكلة كبيرة حالة من الجمود الموجودة وعدم القدرة علي اتخاذ القرار عدم القدرة على التقدم خطوة واحدة، رغما عن الاتفاق، اتفقت على أن الأنتخابات ستقوم بعد سنة ولكن حتى الأن لم يخرج أي قرار من حمدوك أو البرهان يتكلم عن تكوين مفوضية للانتخابات!!.. أصاب البلاد شلل سياسي، فالبلاد من منذ شهرين غير حكومة، والوزارات بلا قيادة؛ المدراء العامون في الوزرات هم من يسيرون العمل!!.. كيف سيعملون؟ وبأي صفة وبأي سياسية و بأي ميزانية؟؟!.. نحن الأن مقبلون على شلل كامل قد يؤدي الى فوضى.. الأزمة والعلاقة المتوترة بين الحرية والتغيير.. حكومة مكونة من أشتات، حكومة ضعيفة ليس بها قائد.. ويمكن القول بأن البلد مقبلة على انقلاب عسكري يضع البرهان في السجن، وربما يكون يمنياً أو يسارياً.. ولا ألمح ولا أتوقع طريقة يعملون بها للخروج بهذا البلد مما هو فيه!!.. فحتى الآن المعارضة والحكومة تعملان على القاعدة الصفرية “يا أنا يا أنت”.. وبالتالى كل واحد يريد أن يستاصل الثاني، وإذا استمر هذا الشكل من العلاقة بين القوى السياسية فالسيناريو المحتمل؛ إما انقلاب، أو فوضى عسكرية، أو حرب أهلية.. والأرجح انقلاب!!.. الأخير سيكون مبرره “حتى لا تأتي فوضى عسكرية”.. وهذا يعني حكماً عسكرياً وليس حكماً مدنياً.. قد يعد بانتخابات وكذا وكذا ولكنه لأبد أن يكون انقلاباً قوياً لانه سيواجه بشارع منظم, فالشارع الآن به قدرات تنظيمة وتعبوية لم تكن موجودة في السابق.. لذلك أي انقلاب عسكري سيواجه بهذه القوة التعبوية المنظمة، وهذه القوة قد تكون مدعومة من اليسار أو من القوة الإقليمية والدولية.. مما يعني أن قدرتها على التنظيم ليست قدرة عادية ستواجه الانقلاب.

هل هذا يعني أن المطالبة بحكم مدني وأستبعاد العسكر عن الحكم في هذا التوقيت أمر لايتناسب مع واقع البلاد؟

لا أستطيع القول بذلك لأن الأصل حكم مدني ولكن الشاذ حكم عسكري ولكن إذا جاء حكم عسكري لابد أن يكون مؤقتاً، فالانقلاب المتوقع سيعلن أنه سيعمل على قيام انتخابات عامة وشفافة تأتي بحكم مدني، ولابد وأن يعلنها بعد سنة أو عشرة حتى يطمئن الراي العام المحلي والراي العام الإقليمي والراي العام الدولي، ولن يقتنع الرأي العام الدولي!!.. وبالتالي سيدخل السودان في حصار من جديد.

أكبر السيناروهات حرب أهلية أو انقلاب عسكري يعيد الحصار للسودان اقتصاديا وسياسيا

 

كلامك هذا يقودنا للسؤال عن التقاطعات والمصالح الإقليمية والدولية وتأثيرها على المشهد السياسي بالبلاد؟

الوضع الآن على شفا الانقلاب أو الحرب الأهلية .. والأخيرة إذا ما حدثت ستحدث فيها تدخلات إقليمية وتدخلات دولية، وسيصبح السودان مثله وسوريا ومثله وليبيا، صراع إقليمي دولي داخل السودان وهذا سيؤدي إلى يؤدي إلى تقسيم السودان إلى عدة دول؛ الشرق لوحده، والغرب لوحده، والوسط لوحده.

وماذا عن تاثير مايجري في إثيوبيا علي البلاد؟

السيناريو العسكري سيعطي إثيوبيا فرصة كبيرة باالتعامل مع الأوضاع في السودان، إذا قامت حرب أهلية في السودان، لأن هناك حدود مشتركة والحرب ستؤثر على الجانبين، ووقتها لا أحد يدري ماذا ستفعل القوى الراجحة في السودان وقتها.

هل هناك إمكانية لتدخل العقلاء وإنقاذ البلاد من كل هذه التعقيدات والخروج والعبور بالبلاد بعيداً عن كل تلك المآلات الصادمة التى تتوقع حدوثها؟

لاتوجد مرجعية للعقلاء في السودان، فالقاعدة الصفرية ليس هنالك عاقل تقدم غير الوساطات التي تمت بين البرهان وحمدوك لأعادة الأخير بعد انقلاب 25 اكتوبر كرئيس لمجلس الوزراء من جديد.

ولكن ماذا عن الإعلان السياسي الذي وقعت عليه 40 من القوى السياسية؟

حتى الآن ليس هنالك ثقة بين القوة السياسية، فلا القوى السياسية في اليمين متفقة.. ولا القوى السياسية في اليسار متفقة.. ولا القوة في الوسط متفقة!!.. والبلد بحاجة لقوة سياسية تكسب ود اليسار وتكسب ود اليمين والوسط وتتفاهم معهم وتصبح هي القوة العاقلة، لكنها لم تظهر حتى الآن، وقد تظهر مع اندلاع الحرب الأهلية.. والسودان ليس أمامه مخرج مما هوعليه الآن إلا بالتوافق، ولكن ما أراه الآن ليس هنالك اتجاه للتوافق بين القيادات السياسية.
هل من الممكن أن يكون التعجيل بالانتخابات مخرجاً آمناً مما عليه الاوضاع ؟
هذا يحتاج لحكومة حتى تهيّئ البلد للانتخابات، وطالما فشلوا في تشكيل حكومة فلن تكون هنالك انتخابات.. وعدم قيام الانتخابات هو هدف للحرية والتغيير لأن سياسية قوى الحرية والتغيير (المركزي) هي السياسية السائدة، وهم يريدون أن يوقفوا الإعداد للانتخابات لأنهم يعلمون أنه إذا قامت الانتخابات فلن يحصّلوا شيئاً.

ختاما ماذا تريد أن تقول في خلاصة قراءتك للمشهد السياسي؟

سيكون هنالك شلل حكومي، تام لن يستمر طويلاً، ولن يكون هنالك عبور كما يردد حمدوك، هناك واحدة من اثنين من السنياروهات المحتملة؛ إما “حرب أهلية” تودي إلى تقسيم السودان, أو “انقلاب عسكري” يؤدي إلى حصار السودان سياسيا واقتصاديا مرة أخرى من جديد.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى