تقاريرسياسة

وساطة جيبوتي: هل تفلح في احتواء التصعيد السوداني الإثيوبي؟

 

تقرير: الطابية

 

وسط تصعيد عسكري ودبلوماسي غير مسبوق بين الخرطوم وأديس أبابا، برزت جيبوتي كوسيط إقليمي مفاجئ، حيث احتضنت العاصمة الجيبوتية اليوم السبت قمة ثلاثية مغلقة جمعت نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني مالك عقار ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، برعاية وحضور الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر قيلي.

١اللقاء الذي تم على هامش احتفالات تنصيب الرئيس قيلي لولاية جديدة، يطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة الوساطة الجيبوتية على نزع فتيل أزمة كادت تودي بالعلاقات بين البلدين إلى حافة الهاوية، خاصة في ظل اتهامات سودانية مباشرة لأديس أبابا بالتورط في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت العمق السوداني.

 

ما الذي جرى خلف الأبواب المغلقة؟

 

وكشفت مصادر مطلعة، وفقاً لشبكة “العنوان 24” الإخبارية ، أن الرئيس إسماعيل عمر قيلي بادر باستغلال وجود القيادين على أرض بلاده لفتح قناة تواصل مباشرة بينهما، في محاولة لتهدئة التوتر المتصاعد وإعادة فتح القنوات الرسمية التي شهدت فتوراً حاداً خلال الأسابيع الماضية. وكانت الخرطوم قد استدعت سفيرها لدى إثيوبيا للتشاور ووجهت شكاوى رسمية إلى الأمم المتحدة، متهمةً أديس أبابا بالسماح باستخدام أراضيها منصة لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من قاعدة قرب بحر دار واستهدفت مطار الخرطوم ومنشآت حيوية أخرى، في ملف اعتبر “الأخطر” في تاريخ العلاقات بين البلدين.

وبينما ينكر الجانب الإثيوبي هذه الاتهامات ويزعم أنها “لا أساس لها”، فإن ما تم بحثه في جيبوتي – بحسب المصادر – تركز بالدرجة الأولى على سبل تأمين الحدود المشتركة، ووقف أي أنشطة عدائية عابرة للحدود، وإعادة تفعيل آليات التشاور الأمني والفني التي توقفت منذ اندلاع الحرب في السودان قبل ثلاث سنوات.

غير أن الغياب التام لأي بيان رسمي ختامي من الرئاسة الجيبوتية أو الطرفين يثير علامات استفهام حول مخرجات هذا اللقاء، ويدفع المراقبين للتساؤل: هل كانت مجرد لقاءات استطلاعية أم تم الاتفاق على خطوات عملية ملموسة؟

 

لماذا جيبوتي تحديداً؟

 

تتمتع جيبوتي بموقع استراتيجي فريد كوسيط تقليدي في أزمات القرن الأفريقي، وهي الدولة المضيفة لمقر منظمة الإيغاد (IGAD)، إضافة إلى علاقاتها المتوازنة مع الخرطوم وأديس أبابا. غير أن السؤال الأكبر هو: هل تملك جيبوتي ذاتها القدرة على التأثير في قرار الطرفين في وقت تتشابك فيه الأزمة السودانية الإثيوبية بملفات إقليمية أخرى، أبرزها أزمة سد النهضة، والنزاع الحدودي في منطقة الفشقة، واتهامات متبادلة بدعم جهات مسلحة داخل كل بلد؟

ويرى مراقبون أن نجاح الوساطة الجيبوتية – إن حدث – سيبقى مرهوناً بقدرتها على ترجمة النقاشات إلى التزامات ميدانية على الأرض، وليس فقط بياناً صحفياً. فطبيعة الأزمة الحالية تجاوزت مرحلة سوء الفهم الدبلوماسي إلى اتهامات بالعدوان المباشر وانتهاك السيادة الوطنية، وهو ما يجعل استعادة الثقة بين الجانبين عملية طويلة ومعقدة، قد لا تحسمها قمة واحدة مهما كان دعمها الرئاسي رفيع المستوى.

 

ماذا بعد جيبوتي؟

 

مع اختتام الاجتماع، تم التأكيد، بحسب المصادر، على استمرار عمل القنوات الفنية والأمنية لمعالجة القضايا العالقة، وهي إشارة إيجابية أولية تحافظ على شعرة معاوية، تمنع انهيار العلاقات تماماً، لكنها تبقى دون المستوى المطلوب لاحتواء التصعيد المتسارع، خاصة بعد تأكيدات الخرطوم أن لديها وثائق ومعلومات قطعية تفيد بتورط إثيوبيا بتقديم الدعم العسكري للمليشيا المتمردة على الدولة السودانية، وبالتحضير لمواجهة عسكرية مفتوحة.

 

الخلاصة أن وساطة جيبوتي تقدم متنفساً مهماً للاختناق الدبلوماسي، لكن البلورة الحقيقية لنجاحها تتوقف على مدى تجاوب الخرطوم وأديس أبابا مع دعوات التهدئة وانتقالهما إلى مرحلة التفاوض الجاد على ملفات الخلاف الجوهرية. وإلى حين ذلك، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً: هل هذه الوساطة هي بداية فعلية لطريق التسوية، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة تصعيد جديدة أكثر عنفاً؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى