تقاريرسياسة

السودان يحشد أوراقه.. ماذا دار في أروقة الجامعة العربية بشأن اعتداءات إثيوبيا؟ 

 

تقرير: الطابية

 

في تصعيد دبلوماسي غير مسبوق، عقد مجلس جامعة الدول العربية اليوم الأحد اجتماعاً طارئاً مغلقاً على مستوى المندوبين الدائمين بمقر الأمانة العامة بالقاهرة، بناءً على طلب عاجل من الحكومة السودانية، لبحث الاعتداءات الإثيوبية المتكررة، والتي بلغت ذروتها باستهداف مطار الخرطوم الدولي ومناطق مدنية وعسكرية بطائرات مسيّرة انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، وسط اتهامات سودانية مباشرة لأديس أبابا بـ”رعاية وحشد المرتزقة” وتقديم الإمارات لدعم لوجستي للمليشيات المتمردة.

أدلة قاطعة

في كلمة أمام الاجتماع، وجه سفير السودان لدى القاهرة ومندوبه الدائم لدى الجامعة العربية، عماد الدين عدوي، اتهامات صريحة ومباشرة لإثيوبيا بدعم قوى التمرد المسلحة، مؤكداً أن السودان تعرض خلال الشهرين الماضيين لـ”هجمات متكررة بالمُسيرات الانتحار.ية” انطلقت من قواعد عسكرية داخل الأراضي الإثيوبية، وصولاً إلى العاصمة الخرطوم. وأوضح عدوي أن الأدلة التي بحوزة الخرطوم “قاطعة وتثبت تورط أديس أبابا بشكل مباشر”، مشيراً إلى أن الهجمات لم تقتصر على الولايات الحدودية، بل استهدفت مطار الخرطوم الدولي ومحلية جبل أولياء، في انتهاك صارخ للسيادة الوطنية.

واتهم السفير السوداني إثيوبيا بتجاوز حدود استهداف البنى التحتية، متحدثاً عن “تورطها في رعاية وحشد المرتزقة داخل أراضيها وعلى طول الحدود” مع السودان، وتسهيل دخولهم إلى الأراضي السودانية وتزويدهم بالعتاد والسلاح لمهاجمة المدنيين في الولايات المتاخمة، وعلى رأسها ولاية النيل الأزرق. وشدد على أن السودان لن يتهاون في حماية سيادته، معلناً أن الحكومة ستتخذ حزمة من الإجراءات الدبلوماسية دفاعاً عن أمنها القومي، وقد استدعى سفيره من أديس أبابا للتشاور، إضافة إلى التحرك في عدد من المنظمات الإقليمية والدولية.

اتهامات للإمارات

في تطور لافت، وجه عدوي اتهاماً مباشراً لدولة الإمارات العربية المتحدة، قائلاً إنها تقدم “دعماً مباشراً وغير مباشر لمليشيا الدعـ م السـ ريع والمتمردين من خلال التمويل والتسليح والدعم السياسي والإعلامي”، محملاً إياها مسؤولية تفاقم الأزمة الإنسانية التي أودت بحياة عشرات الآلاف وأدت إلى نزوح أكثر من 13 مليون شخص من ديارهم.

مواقف عربية: تضامن مع السودان ودعوات لضبط النفس

من جانبها، أكدت رئاسة الاجتماع ممثلة في سفيرة البحرين لدى مصر، فوزية بنت عبد الله زينل، أن استقرار السودان يمثل “أولوية عربية راسخة”، مشددة على أن “المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من التصعيد”، داعية جميع الأطراف إلى تغليب لغة الحوار وضبط النفس وفتح قنوات التواصل الدبلوماسي كوسيلة وحيدة لمعالجة التوترات القائمة.

وفي تصريحات متفرقة، أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط الهجمات بشدة، ووصفها بأنها “تصعيد خطير يهدد السلم والأمن في المنطقة”، مؤكداً دعم الجامعة الكامل لوحدة السودان وسيادته واستقلاله. كما أعربت كل من مصر والسعودية وقطر عن إدانتها الشديدة لهذه الاعتداءات، مؤكدة تضامنها المطلق مع السودان في مواجهة أي انتهاكات تستهدف سيادته.

 

خطوات قانونية مقبلة

 

أعلن المندوب السوداني عزم الحكومة، التحرك قريباً على المستوى القانوني، من خلال تقديم شكاوى رسمية إلى المحافل الدولية المختصة، بما فيها مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي ومحكمة العدل الدولية، وذلك بعد أن ظلت الخرطوم تنتهج “سياسة متوازنة قائمة على الحفاظ على الروابط التاريخية ومد جسور الصبر”. وشدد على أن السودان لن يسمح لأي طرف بفرض واقع جديد على حساب سيادته ووحدة أراضيه، داعياً الجامعة العربية إلى اتخاذ “موقف حازم وفعال” تجاه ما العدوان الخارجي المنظم على دولة عربية.

 

ماذا يتوقع السودان من جامعة الدول العربية؟

 

في خضم هذا التصعيد الخطير، لا تكتفي الخرطوم بكلمات التضامن والإدانة التي صدرت عن الجامعة العربية، بل تتطلع إلى خطوات عملية وجادة تعكس موقفاً عربياً موحداً وحازماً ينتقل من مرحلة الاستنكار إلى مرحلة الفعل. ويتوقع السودان من الجامعة العربية، في المرحلة الأولى، تشكيل آلية وزارية عربية لمتابعة ملف الاعتداءات الإثيوبية على أمن وسيادة دولة عضو، على غرار اللجان التي شُكلت في أزمات عربية سابقة، على أن تُكلف هذه الآلية بالتواصل مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية. كما تتطلع الخرطوم إلى أن تتجاوز الجامعة دور الوساطة المحايد إلى موقف داعم للحق السوداني في الدفاع عن سيادته، بما في ذلك دعم أي تحرك قانوني أمام محكمة العدل الدولية، أو في مجلس الأمن، أو فرض عقوبات رمزية من جانبها، أو حتى تعليق أي تعاون فني أو سياسي مع إثيوبيا ما لم توقف الانتهاكات.

 

في العمق، يريد السودان من الجامعة العربية أن تثبت أن منظومة العمل العربي المشترك لا تزال قادرة على حماية عضو من أعضائها حين يتعرض لعدوان خارجي، وأن التضامن العربي ليس مجرد شعارات في بيانات ختامية، بل إجراءات رادعة تحمي سيادة الدول وتوقف نزيف الدم السوداني. وإلا، كما يخشى مراقبون، فإن استمرار العجز العربي الجماعي سيعزز قناعة الخرطوم بأنها وحيدة في مواجهة “حرب بالوكالة” تُدار من محيطها الإقليمي، مما قد يدفعها إلى خيارات غير تقليدية تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي برمته.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى