
تقرير: الطابية
في خطوة دبلوماسية وقانونية محكمة، استدعت وزارة الخارجية السودانية، يوم 6 مايو الجاري، المنسق المقيم للشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة وجميع ممثلي الوكالات الأممية المعتمدين لدى السودان، وذلك لإطلاعهم على موقف السودان الرسمي الرافض لقرار أصدره الذراع السياسي لقوات الدعم السريع، يقضي بإنشاء ما يسمى “الهيئة الوطنية للوصول الإنساني” ككيان موازٍ يهدف إلى تنظيم العمل الإغاثي في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيا وإلزام جميع المنظمات الأجنبية والوطنية بالتسجيل لديها والحصول على شهادة اعتماد خلال ثلاثين يوماً، في محاولة لشرعنة وجودها غير القانوني.
هذا التقرير الموجز يناقش الأسانيد القانونية التي تستند إليها الحكومة السودانية في موقفها، ومدى توافق هذا الموقف مع أحكام القانون الدولي الإنساني وقواعد السيادة وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
ماذا فعلت المليشيا
في أوائل أبريل 2026، أصدر رئيس ما يسمى بـ”الهيئة الوطنية للوصول الإنساني” – التابعة لما تعرف بـ”حكومة السلام والوحدة” التي أعلنتها قوات الدعم السريع – قراراً وزارياً حمل رقم (1) لسنة 2026، تضمّن الآتي:
1- إلزام جميع المنظمات الأجنبية والوطنية باستكمال إجراءات التسجيل والحصول على شهادات اعتماد خلال 30 يوماً من تاريخ القرار.
2 – إلزام المنظمات الأجنبية بتوقيع “اتفاقية تقنية” تشمل تفاصيل المشاريع والميزانيات وآليات الرصد والتقييم ضمن الإجراءات
3 – إلزام جميع وكالات الأمم المتحدة بإعادة فتح مكاتبها في مناطق، ما يُسمى، بـ “حكومة السلام والوحدة”، خلال 45 يوماً، مع التهديد باتخاذ “إجراءات إدارية” بحق الممثلين المخالفين.
هذا القرار مثّل نقطة تحول خطيرة، حيث انتقلت المليشيا من سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض، إلى محاولة إضفاء الشرعية على كيانها الموازي عبر إجبار المنظمات الدولية على التعامل معه كسلطة حاكمة.
أربع ركائز قانونية للموقف السوداني:
تستند الحكومة السودانية في رفضها القاطع للتسجيل لدى الكيان المذكور إلى أربع ركائز قانونية رئيسية.
أولاً: مبدأ السيادة الوطنية
الذي يعتبر حجر الزاوية في القانون الدولي الحديث، والمكرس في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء، وهو ما يعني حصرية سلطة الدولة على أراضيها ورفض أي كيان يدعي ممارسة سلطة حاكمة دون تفويض منها.
وقد أكدت الخارجية السودانية أن التسجيل لدى “الهيئة الوطنية للوصول الإنساني” أو توقيع أي اتفاقية أو مذكرة تفاهم معها يُعتبر تصرفاً داعماً لكيانات موازية لمؤسسات الدولة الشرعية، ويشكل انتهاكاً صريحاً لسيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته القومية.
هذا الموقف يمثل تطبيقاً سليماً لمبدأ السيادة، إذ أن الهيئة التي أنشأتها الدعم السريع تمارس بالفعل مظاهر السلطة من خلال إصدار قرارات ملزمة وفرض تسجيل وتهديد باتخاذ إجراءات إدارية، وهو ما يشكل انتهاكاً للسيادة ومحاولة لاقتطاع جزء من السلطة الحاكمة.
ثانياً: فتتمثل في قرار مجلس الأمن رقم 2025
الصادر في أغسطس 2025، والذي يمثل أقوى الأسانيد القانونية التي تستند إليها الخرطوم، وذلك لأن القرار صادر عن المجلس بموجب الفصل السابع من الميثاق، مما يمنحه أعلى درجات الإلزام القانوني.
وقد رفض هذا القرار بشكل قاطع إنشاء أي سلطات أو هياكل موازية في السودان، وحذر من أن أي خطوة أحادية في هذا الشأن تشكل تهديداً مباشراً لوحدة السودان وسلامته الإقليمية وتقوض السلام والاستقرار الإقليميين. استناد الحكومة إلى هذا القرار يعني أنها لا تطلب من المنظمات الدولية أكثر مما هو مطلوب أصلاً بموجب قرار ملزم، وبالتالي فإن التعامل مع الكيان الموازي لا يشكل انتهاكاً لموقف الخرطوم فحسب، بل انتهاكاً لقرار صادر عن أعلى هيئة أمنية دولية.
ثالثاً: قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 46/182:
الصادر عام 1991، والذي يعتبر المرجعية الأساسية لتنظيم العمل الإنساني الدولي، وتحديداً المبدأين الثاني والثالث اللذين ينصان على ضرورة تقديم المساعدة الإنسانية بموافقة البلد المتضرر، واحترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية ووحدتها الوطنية مع الالتزام بمبادئ الحياد وعدم التحيز. هذا الاستشهاد بالغ الدقة من الناحية القانونية، لأنه يضع الوكالات الأممية أمام التزام مزدوج يتمثل في الحياد من جهة واحترام سيادة الدولة المضيفة من جهة أخرى. فالتعامل مع كيان موازٍ لم تعترف به الدولة صاحبة السيادة، والذي تعتبره الخرطوم ميليشيا متمردة، يشكل خرقاً واضحاً لهذين المبدأين معاً.
وقد عززت الحكومة هذا الاستناد بقرار الجمعية العامة رقم 58/114 الصادر عام 2003 والذي يعيد التأكيد على ضرورة عمل الأمم المتحدة بموافقة الدولة المضيفة واحترام سيادتها.
رابعاً: بالمبادئ الإنسانية الأساسية
المتمثلة في الحياد والاستقلالية وعدم التحيز، حيث أشارت الخارجية السودانية إلى أن التعامل المؤسسي مع كيان أنشأته ميليشيا متمردة مسؤولة عن جرائم حرب موثقة دولياً قد يفسر على أنه انتهاك لمبدأ الحياد، بل قد يقرأ كشكل من أشكال الدعم غير المباشر لطرف مسلح على حساب آخر. هذا البعد يعزز الموقف السوداني أخلاقياً، إذ أن الخرطوم لا تطلب من المنظمات الدولية أكثر من الالتزام بالمبادئ التي تدعي أنها تعمل وفقاً لها.
وبناء على ما تقدم، يمكن القول إن الموقف السوداني ليس فقط متوافقاً مع القانون الدولي، بل إنه الأكثر تطابقاً مع النصوص الدولية ومع قرارات الأمم المتحدة ذاتها. فالموقف يصح قانونياً بالكامل في أبعاده المتعلقة بمبدأ الموافقة الذي يوجب تقديم المساعدات بموافقة الدولة المعترف بها، ومبدأ السيادة الذي يحصر السلطة بالدولة وحدها، وقرار مجلس الأمن رقم 2025 الذي يرفض أي هياكل موازية، ومبادئ الحياد والاستقلالية التي تحظر العلاقات المؤسسية مع كيان عسكري متمرد.
إلى أي شيء تسعى المليشيا:
صحيح أن القانون الدولي الإنساني يعترف بأنه في حالات النزاع المسلح غير الدولي قد تضطر المنظمات للتفاوض عملياً وتقنياً مع الأطراف المسلحة فعلياً على الأرض لتأمين وصول المساعدات، لكن هذا التفاوض يجب أن يظل عملياً وتقنياً لا مؤسسياً وسياسياً، وهذا الفارق الدقيق هو بالضبط ما تستغله الدعم السريع لتحويل التفاوض التقني إلى اعتراف مؤسسي، وهو ما تتصدى له الحكومة السودانية بمنع تحول الاحتكاك العملي إلى تطبيع مؤسسي مع كيان موازٍ. فالخرطوم لا تمنع المنظمات من تنسيق وصول المساعدات إلى المناطق الخارجة عن سيطرتها، بل تمنعها من التسجيل الرسمي والاعتراف المؤسسي بكيان يسمى الهيئة الوطنية للوصول الإنساني. وبهذا المعنى، يمثل الموقف السوداني نموذجاً نادراً للدولة التي توظف القانون الدولي دفاعاً عن سيادتها، بدلاً من أن تكون الطرف الذي يتهم بانتهاكه.
تحديات التطبيق العملي
على الرغم من الصحة القانونية للموقف السوداني، الذي تم إبلاغه بوضوح للمنظمات الدولية والوطنية العاملة في السودان، إلا أنه قد يحدث، في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا، أن تعامل بعض المنظمات الدولية مع “الهيئة” المزعومة.. في هذه الحالة قد تجد الخرطوم نفسها أمام خيارين: إما التغاضي بشكل عملي مع الاحتجاج الرسمي، وهو ما تفعله حالياً.. وإما فرض عقوبات على المنظمات المخالفة، ربما يشمل منع دخولها للبلاد، مع ما يحمله مثل هذا القرار من كلفة إنسانية.. وهنا يتبين الواجب الأخلاقي المتحتم على المجتمع الدولي والأمم المتحدة في الضغط على المليشيا وحلفائها لمنعها من المتاجرة السياسية بالملف الإنساني والبحث عن الشرعية على حساب المحتاجين.
باجتماعها مع الأمم المتحدة واستحضارها القرارات الأممية ذاتها، ترسل الحكومة السودانية رسالة لا تقبل التأويل: التعامل المؤسسي مع كيان موازٍ ليس مجرد خرق للسيادة، بل خرق لقرارات ملزمة صادرة عن مجلس الأمن. والميدان وحده، الذي تحول إلى ساحة للابتزاز الإنساني، هو الذي سيحسم ما إذا كانت هذه الرسالة ستترجم إلى أفعال، أم ستبقى حبراً على ورق في مواجهة وقائع الأرض القاسية.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



