
تقرير: الطابية
في مشهدٍ عبّر عن حجم التناقضات التي تعصف بالبيت العربي، أسدل مجلس جامعة الدول العربية، اليوم الاثنين، الستار على اجتماعه الطارئ الذي دعا إليه السودان لبحث “الاعتداءات الإثيوبية” على أراضيه، بعد أن فشل مساء أمس الأحد في الوصول إلى اتفاق حول قرار بعد خلافات حادة.
واليوم جاء البيان الختامي ليكرس حالة من الإحباط السوداني الرسمي والشعبي، بعد أن نجحت ضغوطٌ دبلوماسية، قادتها دويلة الإمارات العربية، في حرف الاجتماع عن مساره، وتجريد البيان من أي إشارةٍ مباشرة إلى إثيوبيا، مكتفيةً بإدانة “الهجمات” في صيغة مبهمة لم تُسمِّ الجهة المعتدية.
أدلة سودانية صريحة
افتتح السودان الجلسة الطارئة التي عُقدت بناءً على طلبه، بلسان مندوبه الدائم عماد الدين عدوي، الذي وجّه اتهاماتٍ مباشرة وقاسية لإثيوبيا مشفوعة بأدلة قاطعة، كما وصفها السفير السوداني، على تورط أديس أبابا في قصف مطار الخرطوم الدولي بمسيّرات، إضافةً إلى استهداف ولايات النيل الأزرق والأبيض وكردفان. وأكد عدوي أن “بلاده تتعرض لعدوان خارجي منظم هدفه تقويض سيادتها ووحدة أراضيها”، مطالبًا بردٍ عربي حازم.
خلافات حادة تفجر الجلسة
لكن سرعان ما تحولت الجلسة، التي كانت تُعقد خلف أبوابٍ مغلقة، إلى سجالٍ محتدم بين وفدي السودان والإمارات. وبحسب مصادر مطّلعة على سير النقاشات، فإن مندوب أبو ظبي اعترض بصلابة على أي نص يتضمن إدانةً صريحة لإثيوبيا، واصفًا الاتهامات السودانية بأنها “محاولة لتوظيف المنظمة الإقليمية في تمرير اتهاماتٍ غير صحيحة”.
هذا الموقف الإماراتي وضع رئيسة الجلسة، مندوبة البحرين فوزية بنت عبد الله زينل، في موقفٍ بالغ التعقيد. وبين تمسك السودان وحليفته الجزائر بإصدار قرار تنديد واضح، وضغوط الإمارات لصياغةٍ مخففة، اتجهت بعض الوفود إلى اقتراح صيغٍ توافقية تحذف أي إشارةٍ مباشرةٍ إلى إثيوبيا. وفي خطوةٍ عكست حجم التباين، فضّلت البحرين تأجيل الحسم إلى اليوم التالي، الإثنين، لإجراء “مزيد من المشاورات”.
البيان الختامي.. انتصار للغة الخشبية
ومع استئناف الاجتماع الاثنين، تبيّن أن جسور التواصل العربية لم تفلح في بناء موقفٍ رادع. فقد صدر البيان الختامي ليعبّر عن “إدانة الهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت مطار الخرطوم ومناطق أخرى”، لكنه تجنب تمامًا أي إشارة لإثيوبيا أو للإمارات التي تقف خلف الموقف الإثيوبي.
هذه الصياغة الفضفاضة، التي تُدين الفعل دون فاعله، مثّلت صدمة دبلوماسيةً قاسيةً للخرطوم وخيبة أمل لا مثيل لها، وهي التي كانت تأمل في تحركٍ عربي موحد يُسجّل موقفًا تاريخيًا ضد عدوان سافر على دولة عربية.
دول المقاطعة.. حائط الصد الإماراتي
قادت الإمارات حملة الاعتراض على مشروع القرار السوداني، في استمرارٍ لنهجها الداعم لإثيوبيا في صراعاتها الإقليمية. ولم تكتفِ أبو ظبي بالاعتراض، بل مارست ضغوطًا على وفودٍ أخرى لتأجيل البت في الموضوع، في محاولةٍ لتجنب أي إدانة عربية جماعية لإثيوبيا.
الموقف الإماراتي ليس حدثاً معزولاً، بل يتسق مع نمط أوسع من سياسات العدوان الإماراتية والحرب المباشرة التي تشنها على السودان، وجزء لا يتجزأ من استراتيجية شاملة تهدف إلى إضعاف الحكومة المركزية في السودان ودعم المليشيا التي تراهن عليها أبو ظبي لتحقيق أهدافها الجيوسياسية في المنطقة.
دول لمؤازرة.. أصوات تضامنية لم تكتمل
في المقابل، برزت أصواتٌ داعمةٌ بقوة للموقف السوداني، رغم عدم قدرتها على تغيير مسار البيان. وتصدّرت الجزائر قائمة الدول التي ساندت السودان بصلابة، مطالبةً بموقف عربي حازم يُدين الجهة التي انطلقت منها الهجمات بوضوح. كما ساندت قطر التوجه السوداني، حيث شاركت في أعمال الدورة غير العادية لمجلس الجامعة، في خطوةٍ تعكس توافقًا مع ضرورة التضامن مع السودان.
ضبابية الموقف المصري
أما الموقف المصري، فقد جاء ملتبسًا هذه المرة. فعلى الرغم من التحذير العلني لمندوب القاهرة من أن “عجز المجلس عن تمرير مشروع القرار سيترك أثرًا سلبياً واسعًا على صورة الجامعة العربي”، إلا أن الموقف المصري لم يصل إلى حد المواجهة مع الإمارات، لاعتباراتٍ تتعلق بالعلاقات الاقتصادية والاستثمارات الخليجية في مصر.
ولا يمكن تفسير الموقف المصري الذي لم يرتقِ إلى مستوى التصعيد مع الإمارات والوقوف الصريح مع المطلب السوداني المتواضع على نحو ما فعلت الجزائر، إلَّا على ضوء “براغماتية المصالح” يُعزى ذلك على الأرجح إلى حسابات استراتيجية معقدة، يأتي في مقدمتها؛ الاعتماد الاقتصادي، حيث تحتاج مصر بشكل حيوي للاستثمارات والودائع الخليجية، وفي مقدمتها الإماراتية، لدعم اقتصادها، والدخول في مواجهة دبلوماسية مع أبو ظبي قد يُعرض هذه المصالح للخطر.
خيبة أمل سودانية
النتيجة النهائية للاجتماع مثّلت خيبة أمل كبرى للسودان، الذي شعر بأن جيرانه العرب تخلّوا عنه في لحظةٍ يحتاج فيها إلى الدعم ضد ما يعتبره عدوانًا خارجيًا.
ويرى مراقبون أن هذه النتيجة تعكس حالة الضعف التي تعاني منها جامعة الدول العربية، وتحوّلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بدلاً من أن تكون منصةً للعمل العربي المشترك.
ويبقى السؤال: كيف يمكن لمنظمة إقليمية أن تدافع عن أمن أعضائها إذا كانت عاجزة حتى عن تسمية من يعتدي عليهم؟.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



