
تقرير: الطابية
لم يكن قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد رد فعل على خلاف دبلوماسي عابر، بل جاء تتويجاً لتوتر متصاعد بلغ ذروته مع اتهام الجزائر أبوظبي بالتدخل في شؤونها الداخلية وتهديد أمنها القومي، إلى جانب اعتراضها على السياسات الإماراتية في عدد من الملفات الإقليمية، خصوصاً في ليبيا والسودان ومنطقة الساحل والصحراء.
وأعلنت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها بارتكاب «أعمال استفزازية وعدائية»، ومؤكدة أنها استنفدت الوسائل السياسية للحفاظ على العلاقات. كما قررت إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية، مع استثناء الرحلات التجارية القائمة حتى نهاية عام 2026. وجاء ذلك بعد أشهر من بدء الجزائر إجراءات إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013.
التحدخل في الشأن الداخلي.. جوهر الأزمة
يمثل اتهام أبوظبي بالتدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية أحد أخطر أبعاد الأزمة. فالجزائر لا تتعامل مع هذا النوع من النشاط باعتباره خلافاً في وجهات النظر السياسية، وإنما باعتباره مساساً مباشراً بسيادتها وأمنها الوطني.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد تحدث في وقت سابق عن تدخل دولة خليجية في الشؤون الداخلية لبلاده ومحاولات للتأثير في استقرارها، قبل أن تتزايد حدة الاتهامات الموجهة إلى الإمارات.
وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة في ضوء طبيعة النظام الأمني والسياسي الجزائري، الذي ينظر بحساسية شديدة إلى محاولات التأثير الخارجي في توازناته الداخلية، خصوصاً عندما تأتي من دولة تمتلك أدوات مالية وإعلامية وشبكات علاقات واسعة في المنطقة.
ومن منظور الجزائر، فإن المشكلة لا تكمن فقط في مواقف إماراتية مخالفة لسياساتها، وإنما في انتقال أبوظبي، وفق الرواية الجزائرية، من محاولة التأثير في السياسة الخارجية إلى محاولة التأثير في البيئة الداخلية للبلاد؛ وهو خط أحمر يجعل المواجهة أكثر حدة.
صراع على المجال المغاربي
يتداخل هذا الملف مع الخلاف الأوسع بين الجزائر والإمارات بشأن التوازنات المغاربية، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية.
فقد عززت الإمارات علاقاتها مع المغرب وأعلنت دعمها لموقف الرباط بشأن الصحراء، في حين تتمسك الجزائر بدعم جبهة البوليساريو. وترى الجزائر أن التقارب الإماراتي المغربي، إلى جانب العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، أسهم في تشكيل محور إقليمي جديد على مقربة من حدودها الغربية.
ومن ثمّ، فإن الجزائر تنظر إلى النشاط الإماراتي باعتباره جزءاً من ضغط متعدد الاتجاهات على موقعها الإقليمي، خصوصاً مع امتداد النفوذ الإماراتي جنوباً نحو ليبيا والساحل والصحراء.
السودان وليبيا.. الوجه الأخطر للتدخلات الخارجية
ولا يمكن فصل الموقف الجزائري عن سجل الإمارات في النزاعات العربية والإفريقية، وعلى رأسها السودان وليبيا.
ففي السودان، تورطت الإمارات في دعم مليشيا الدعـ م السـ ريع، وتواجه اتهامات في هذا الملف أمام محافل دولية ومحاكم، ورغم نفي أبوظبي المتكرر إلّا تقارير وتحقيقات دولية وثقت مسارات لإمداد الدعـ م السـ ريع بالسلاح والتمويل عبر شبكة إقليمية معقدة، وربطت تقارير عدداً من هذه المسارات بالإمارات.
ويمثل استمرار مثل هذه التدخلات، نموذجاً بالغ الخطورة لتحويل الدول الإفريقية إلى ساحات نفوذ وصراعات بالوكالة، وهو ما يهدد ليس فقط الدول التي تشهد الحروب، وإنما الأمن الإقليمي برمته.
وفي ليبيا، ارتبط الدور الإماراتي خلال سنوات الحرب بدعم قوات خليفة حفتر، الأمر الذي جعل أبوظبي أحد أبرز الأطراف الخارجية المنخرطة في الصراع. وبالنسبة للجزائر، فإن وجود قوة إقليمية تنخرط عسكرياً وسياسياً في ليبيا، الدولة المحاذية لحدودها، يمثل تهديداً مباشراً لاستقرارها الأمني.
ويمتد الأمر إلى الساحل والصحراء، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في منطقة تشهد انهياراً أمنياً وسياسياً متسارعاً. وتتعامل الجزائر مع هذه المنطقة باعتبارها عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي، ولذلك تنظر بعين الريبة إلى أي تمدد إماراتي يمكن أن يغير موازين القوى فيها.
هل تبدأ الجزائر حصار النفوذ الإماراتي؟
قد لا يكون قطع العلاقات الجزائرية قادراً بمفرده على إنهاء النفوذ الإماراتي، الذي يستند إلى قوة مالية وشبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية. لكن أهميته تكمن في أنه يصدر عن دولة محورية في المغرب العربي والساحل، ويضع أمام أبوظبي كلفة سياسية متزايدة لسياسة التمدد خارج حدودها.
كما أن الجمع بين اتهام الإمارات بالتدخل في الشأن الداخلي الجزائري، ورفض تدخلاتها في دول الجوار، ولا سيما السودان وليبيا والساحل، يمنح الموقف الجزائري بعداً يتجاوز الخلاف الثنائي.
فالجزائر لا تقول، في جوهر موقفها، إن أبوظبي تختلف معها سياسياً فحسب؛ بل تتهمها بتجاوز حدود العلاقات الطبيعية بين الدول، ومحاولة توظيف المال والنفوذ والتحالفات للتأثير في خيارات الدول وأمنها الداخلي.
ومن هنا، فإن القطيعة الجزائرية قد تشكل سابقة سياسية مهمة في مواجهة النفوذ الإماراتي، خصوصاً إذا تحولت إلى تنسيق مع دول ترفض تحويل أراضيها وأزماتها إلى ساحات للتنافس الإقليمي.
وفي النهاية، فإن أخطر ما تكشفه الأزمة الجزائرية الإماراتية هو أن الصراع لم يعد يدور فقط حول المواقف الدبلوماسية، بل حول حدود النفوذ الإقليمي وحق الدول في حماية قرارها السيادي من التدخلات الخارجية.
وإذا استطاعت الجزائر تحويل هذا الموقف إلى تحرك إقليمي أوسع، فقد تسهم القطيعة في تضييق هامش الحركة أمام أبوظبي، وإعادة طرح سؤال النفوذ الإماراتي في إفريقيا والعالم العربي باعتباره قضية أمن إقليمي، لا مجرد علاقات ثنائية.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



