تقاريرسياسة

أزمة الخبز بعد إعفاء الرسوم وخفض سعر الدقيق.. علاج أم مسكن؟ 

 

تقرير: الطابية

 

جاء الاتفاق بين وزارة الصناعة والتجارة والمطاحن على خفض سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً إلى 87 ألف جنيه واصلاً إلى المخبز، إلى جانب إعفاء مخابز ولاية الخرطوم من الرسوم الولائية والمحلية، كخطوة عاجلة لاحتواء أزمة الخبز ومنع ارتفاع أسعاره مجدداً.

لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان القرار قد خفّض تكلفة الدقيق، وإنما؛ هل عالج أسباب ارتفاع سعر الخبز، أم أنه مجرد مسكن موضعي لأزمة أعمق؟

 

خطوة يجب أن تعقبها خطوات 

 

من الناحية المباشرة، يمثل خفض سعر جوال الدقيق من المستويات التي بلغها أخيراً إلى 87 ألف جنيه تطوراً مهماً بالنسبة للمخابز. فالدقيق يمثل أحد أكبر مكونات تكلفة إنتاج الخبز، وأي انخفاض في سعره يمكن أن يخفف الضغط على تكلفة الرغيفة.

ويضاف إلى ذلك إعفاء المخابز من الرسوم المحلية والولائية، وهو ما يعني تخفيض بند آخر من بنود التكلفة، وقد يمنح المخابز مساحة لامتصاص جزء من الزيادات بدلاً من تحميلها للمستهلك.

وبالتالي، فإن القرارات يمكن أن تمنع ارتفاعاً فورياً أو تخفض بعض الضغوط الحالية على سعر الخبز.

لكن هل يكفي ذلك؟.. المشكلة أن سعر الدقيق ليس العامل الوحيد الذي يحدد سعر الرغيفة، فالخبز يتأثر أيضاً بأسعار الوقود، والزيوت، والخميرة، وأجور العمال، والنقل، وقطع الغيار، والكهرباء، والصيانة، وهي بنود مرتبطة بدرجة كبيرة بسعر الصرف والتضخم، فإذا واصلت عناصر الإنتاج هذه ارتفاعها، فإن تكلفة إنتاج الرغيفة ستظل تحت ضغط مستمر، مما يعني انه لا يمكن تثبيت سعر المنتج النهائي بصورة مستدامة إذا ظلت بقية المدخلات ترتفع.

 

  السعر الجديد للدقيق..هل يستقر أم يصبح سعراً إداريًا؟

 

هناك نقطة أخرى أكثر أهمية، وهي أن الاتفاق مع المطاحن يحتاج إلى أن يتحول من قرار ظرفي إلى آلية مستقرة للتسعير والإمداد.

فإذا كان سعر 87 ألف جنيه ناتجاً عن تفاهم مؤقت، دون معالجة تكلفة الإنتاج الحقيقية للمطاحن، فقد تجد الأخيرة نفسها بعد فترة أمام ارتفاع في القمح أو النقل أو الطاقة أو سعر الصرف، فتعود للمطالبة برفع السعر.

وهنا يمكن أن تعود أزمة الخبز إلى نقطة الصفر.

لذلك فإن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الدولة ضمان استمرار وصول الدقيق إلى المخابز بهذا السعر، وبالكميات المطلوبة، أم أن القرار سيظل مرتبطاً بظروف السوق الحالية؟

ثمة جانب آخر ينبغي الانتباه إليه. فإذا كان السعر المتفق عليه أقل من التكلفة الحقيقية المستدامة لإنتاج الدقيق وتوصيله إلى المخبز، فقد تتحول المشكلة من ارتفاع السعر إلى نقص المعروض.

فالضغط الإداري على المطاحن لتثبيت سعر منخفض دون معالجة تكلفة الإنتاج قد يؤدي إلى تقليل الإنتاج، أو ظهور سوق موازية للدقيق، أو تراجع الجودة، أو اضطراب الإمدادات.

لذلك فإن استقرار الخبز لا يتحقق بمجرد تحديد رقم لسعر جوال الدقيق، وإنما بتحقيق توازن بين تكلفة الإنتاج وقدرة المواطن على الشراء.

 

إعفاء الرسوم.. تخفيف لا حل شامل

 

أما إعفاء المخابز من الرسوم الولائية والمحلية، فهو إجراء إيجابي من حيث تخفيف الأعباء، لكنه لا يكفي وحده لضمان استقرار الخبز.

فالرسوم ليست سوى جزء من هيكل التكلفة، بينما يبقى سعر الصرف وتكلفة الوقود والنقل ومدخلات الإنتاج عوامل أكثر تأثيراً في المدى المتوسط.

ولهذا فإن الإعفاء قد يساعد المخبز على المحافظة على السعر الحالي، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على المحافظة عليه إذا حدثت موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المدخلات.

 

هل هو حل أم مسكن؟

 

القرارات الأخيرة يمكن وصفها بأنها مسكن مهم، لكنها ليست علاجاً نهائياً.

فهي تعالج جزءاً مباشراً من الأزمة: تكلفة الدقيق، وتمنح المخابز متنفساً من خلال إلغاء الرسوم. لكنها لا تزال لا تجيب عن السؤال الأكبر: كيف سيستقر سعر الخبز إذا استمر الجنيه في التراجع وارتفعت تكلفة الوقود والنقل وبقية المدخلات؟

والإجابة تتطلب الانتقال من التدخلات المنفصلة إلى سياسة متكاملة للسلع الاستراتيجية، تبدأ بتأمين القمح والدقيق والوقود، ومراقبة سلسلة التوريد من المطحنة إلى المخبز، ومراجعة تكلفة الإنتاج بصورة دورية وشفافة، مع معالجة الاختلالات في سوق الصرف التي تنعكس مباشرة على أسعار المدخلات..

وإذا عجزت الدولة عن السيطرة على سعر صرف الجنيه، فلا مفر من تدخلها المباشر وتحمُّل مسؤوليتها في حماية أمن المواطن الغذائي، بإعادة الدعم الحكومي للسلع الاستراتيجية التي تؤثر على تكلفة الإنتاج، فلا معنى للتشبث بسياسة اقتصادية تنتهي إلى تجويع المواطن وإفقاره، وفي نفس الوقت ليس لها أثر يذكر في تعافي الاقتصاد

 

والخلاصة أن خفض جوال الدقيق إلى 87 ألف جنيه قد يوقف ارتفاع الخبز في المدى القصير، لكنه لا يضمن استقراره على المدى الطويل.

فإذا استقرت أسعار الدقيق وتوفرت الإمدادات، وثبتت بقية مدخلات الإنتاج، واستطاعت الدولة السيطرة على الاختلالات التي تدفع التكاليف إلى الأعلى، يمكن أن يتحول القرار إلى بداية لمعالجة حقيقية.

أما إذا ظل سعر الصرف والوقود والنقل ومدخلات الإنتاج في مسار تصاعدي، فإن القرار لن يكون أكثر من مسكن موضعي للألم؛ يؤخر الزيادة المقبلة ولا يلغي أسبابها.

والاختبار الحقيقي للقرار ليس سعر جوال الدقيق اليوم، وإنما سعر الرغيفة بعد شهر أو شهرين: هل سيظل مستقراً لأن أسباب الأزمة عولجت، أم سيعود الارتفاع بمجرد انتهاء مفعول المسكن؟

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى