
تقرير: الطابية
عاد ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان إلى الواجهة بعد أن نشرت وسائل إعلام أمريكية تقارير قالت إنها تستند إلى وثائق وصور ومقاطع فيديو ومراسلات تزعم استخدام القوات المسلحة السودانية ذخائر تحتوي على غاز الكلور خلال الحرب.
وفي هذا السياق جاء نفي السودان للاتهام، مؤكداً أنه طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وملتزم بعدم إنتاج أو تخزين أو استخدام هذه الأسلحة.
لكن الخرطوم لا تكتفي بالنفي، بل تدعو إلى التحقق الميداني المستقل، وتقول إنها طلبت من الولايات المتحدة تقديم الأدلة، واقترحت تشكيل فريق مشترك من الخبراء الأمريكيين والسودانيين، كما أبدت استعدادها للتعاون مع منظمة دولية محايدة.
مزاعم قديمة تتجدد
بدأ الاتهام رسمياً في 2025، عندما قالت واشنطن إن مراجعة معلوماتها خلصت إلى استخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية، وبناءً على ذلك فرضت عقوبات على السودان وقيادته، من دون نشر تفاصيل الأدلة الاستخبارية!
وحينها ردَّ السودان بالمطالبة بالأدلة والدعوة إلى تحقيق عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تعد الإطار الدولي المختص بتنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
كما أعلن السودان في 29 مايو 2025 تشكيل لجنة وطنية للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، أعلنت نتائجها فيما بعد؛ حيث أكدت أن القياسات والأدلة الميدانية المتاحة لم تثبت وجود تلوث كيميائي أو إشعاعي.
وخلال النصف الأول من العام 2026 واصلت واشنطن تعيدها الملف داخل أروقة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ودعت الخرطوم إلى إعلان أي منشآت إنتاج أو ذخائر كيميائية والعمل مع المنظمة للتحقق منها وتدميرها وفق التزامات الاتفاقية.. فيما أكد السودان نفيه القاطع المزاعم الأمريكية، مؤكداً استعداده للتحقق الموضوعي والشفاف، ومطالباً بتقديم الأدلة التي تستند إليها واشنطن.
وفي سبتمبر 2026، بدأ الفصل الأخير من التصعيد متزامنًا مع مقترح قدمته واشنطن لمجلس الأمن الدولى دعت فيه إلى توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية.. فقد نشرت صحف أمريكية مواد قالت إنها حصلت عليها من مصادر أمنية في الشرق الأوسط، وتتضمن صوراً ومقاطع فيديو ووثائق ومراسلات تزعم وجود برنامج لتصنيع ذخائر قائمة على الكلور.
تقارير مليئة بالثقوب
وتشير التقارير، التي نشرتها وسائل الإعلام، إلى اختبارات مزعومة لذخائر كيميائية، ووثائق عن ذخائر ذات تأثير مزدوج، ومراسلات منسوبة إلى ضباط، إضافة إلى تخزين ذخائر واستخدام الكلور في هجمات قيل إنها وقعت في سبتمبر 2024، بينها واقعة قرب مصفاة الجيلي.
ولتؤكد زعمها، قالت صحيفة «واشنطن بوست» إنها استعانت بخبراء في الأدلة الرقمية والأسلحة الكيميائية، ولم يجدوا مؤشرات على التلاعب ببعض المواد.
غير أن أصالة الصورة أو الفيديو لا تثبت وحدها مكان التصوير أو توقيته أو هوية الأشخاص أو طبيعة المادة المستخدمة، كما لا تثبت أن الذخائر استُخدمت فعلاً في القتال أو تعود إلى الجهة المنسوبة إليها.
أما الكلور فهو ليس مادة محظورة على الإطلاق، فهو متاح في الاستخدامات المدنية، مثل تنقية المياه والصناعة، لكنه يصبح سلاحاً كيميائياً إذا استُخدم كعامل سام في سياق محظور.
لذلك لا يكفي العثور على أسطوانات أو خزانات كلور لإثبات وجود برنامج للأسلحة الكيميائية؛ بل يجب تحديد كيفية استخدام المادة، وما إذا حُولت إلى ذخيرة، وما إذا استُخدمت فعلاً كسلاح.. وتتطلب الإجابة على ذلك فحص مواقع الهجمات، وتحليل العينات وبقايا المواد، ودراسة الذخائر، والتحقق من سلسلة الحيازة، والاستماع إلى الشهود، ومراجعة البيانات الطبية والأدلة الرقمية.
وفي هذا السياق يؤكد السودان أن مخزون الكلور لديه مخصص للأغراض المدنية، وأنه مستعد لإثبات ذلك أمام جهة دولية.
السودان يطالب بالتحقيق
يؤكد السودان أن واشنطن تعهدت بتقديم الأدلة لكنها لم تسلمها بالصورة التي تتيح التحقق منها، كما يذكر بأنه دعا خبراء أمريكيين إلى زيارة البلاد، واقترح فريقاً مشتركاً، ولكن الولايات المتحدة اعتذرت عن تلبية الدعوة مرتين!
كما وافق السودان على عقد اجتماعات تقنية بوساطة دولة محايدة، بل أرسل بيانات وفده.
وهذا الدور كان يمكن أن تقوم به منظمة حظر الأسلحة الكيميائية فهي الجهة الأنسب للتحقق، عبر أخذ العينات وفحص الذخائر والمواقع وتحليل أنماط الإصابة وسلسلة الأدلة.. ولكن الأمر ظل متروكًا للدعاية الأمريكية.
السياق السياسي
تزامنت عودة الملف مع تحرك أمريكي في مجلس الأمن لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، وإدراج الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها.
ويمنح هذا التزامن الاتهامات الكيميائية تأثيراً سياسياً محتملاً، لكنه لا يسعف الطرف الأمريكي كثيرًا. فالأسلحة الكيميائية تخضع لاتفاقية دولية خاصة، بينما حظر السلاح جزء من نظام عقوبات مجلس الأمن.
تاريخ طويل من المزاعم الكاذبة
أمريكا لديها تاريخ طويل حول العالم في توظيف مزاعم الأسلحة الكيميائية وأسلحة الدمار الشامل في تبرير سياساتها الخارجية، والتي ثبت في بعض أبرز الحالات أنها كانت مبنية على معلومات استخبارية خاطئة أو مضللة.
فعلى سبيل المثال؛ في 20 أغسطس 1998 قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بصواريخ «توماهوك»، بناءً على ادعاءات، ثبت بطلانها فيما بعد، بأن المصنع مرتبط بإنتاج مادة EMPTA، التي تدخل في إنتاج غاز الأعصاب VX، وإنه مرتبط كذلك بشبكات أسامة بن لادن.. كما شكّل ملف أسلحة الدمار الشامل في العراق المثال الأكثر شهرة على ذلك، بعدما تبين عدم صحة الاستنتاجات التي استند إليها قرار الحرب عام 2003.
بالتالي فإن مجرد صدور الاتهام عن الولايات المتحدة لا ينبغي أن يُعامل بوصفه دليلاً نهائياً، خاصة أن سوابقها التاريخية تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن واشنطن غير نزيهة وفاقدة لأهلية التصرف أو حتى الشهادة في قضايا من هذا القبيل.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



