
أحمد غباشي
بينما يبتهج السودانيون اليوم بنجاح أبنائهم عقب إعلان نتائج الشهادة السودانية المؤجلة للعام 2026، تنطلق زعاريد الفرح في البيوت التي جنى أبناؤها ثمرة جهدٍ مضنٍ في ظروف بالغة القسوة، تكشف تلك النتيجة المعلنة اليوم عن مشهد آخر يختزل كل تناقضات هذه الحرب العبثية.
قالت وزارة التربية أن 299 طالباً وطالبة من أبناء قادة مليشيا الدعم السريع جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية هذا العام عبر أربعة مراكز خارجية: 213 في الإمارات، و68 في يوغندا، و3 في كينيا، و15 في بنغازي.
إنها حقيقة أكبر من أي خطاب.. تفضح وضاعة قادة المليشيا وزيف شعارات (الهامش) التي تتمشدق بها دون وعي!.. في غابة آل دقلو من يملك القوة يملك حق التعليم، ومن لا يملكها ينتظر شهادة لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.
المليشيا التي تبشر بزوال دولة 56، وتتحدث عن “حكم محلي” و”إدارة مدنية” في مناطق سيطرتها، وتوزع بياناتها عن “الخدمات” و”المؤسسات”، لا تجد غضاضة في أن ترسل أبناء الطبقة (الأبرتايد) إلى الإمارات ويوغندا وكينيا وبنغازي لأداء الامتحانات الرسمية تحت سلطة الدولة التي تحاربها!.. أبناء القادة يجلسون للشهادة السودانية المعترف بها دولياً، بينما أبناء المواطنين في مناطق المليشيا المغلوب ن على أمرهم يتم إجلاسهم لامتحانات موازية مكذوبة اخترعتها المليشيا، وهي تعلم أنها تكذب، شهادة سودانية “بمواصفات خاصة”، لا تعترف بها جامعة، ولا وزارة، ولا سوق عمل، ولا حتى مطبعة الشهادات نفسها.
إنها ليست مفارقة، بل سياسة ممنهجة.. فالمليشيا تعرف جيداً أن مستقبل أبناء قياداتها يمر عبر شهادة دولة 56 التي تعمل على تشييعها، لذلك ترسلهم إلى الخارج.. كما تعرف أيضاً أن أبناء المواطنين في مناطق سيطرتها هم وقود حربها، فلا حاجة لهم بشهادة حقيقية. ولهذا تقدم لهم شهادة “مزيفة” من إنتاج محلي، مختومة بختم التمرد، لتبقيهم في فلكها، وتقنع أهاليهم بأن التعليم مستمر، وأن الحياة طبيعية، وأن الحرب لم تمس مستقبلهم. وفي الحقيقة، هي تدفن مستقبلهم في مقبرة جماعية جديدة، هذه المرة باسم التعليم.
يا لها من مسرحية هزلية. المليشيا التي تمنع أبناء المواطنين من الجلوس للامتحانات الرسمية، وتغلق المدارس، وتخرب الجامعات، وتقتل المعلمين، تجلس أبناءها في قاعات مكيفة في الإمارات، وبنغازي، وأوغندا، وكينيا!.. والمليشيا التي تصف الحكومة السودانية بالفاشلة، تقدم أبناءها لامتحانات هذه الحكومة التي تعمل على إسقاطها!.. فهي تعرف أن شهادتها هي الوحيدة التي ستعترف بها الدنيا.
أما الطلاب المساكين في مناطق سيطرة المليشيا، فهم ضحايا خداع مزدوج، فسرعان ما يكتشفون أن شهادتهم لا تعترف بها أي جامعة، ولا أي سوق عمل، ولا أي جهة رسمية. لقد ضاع مستقبلهم بين رصاصة طائشة وشهادة مزورة. والأسوأ أن أهاليهم قد دفعوا الرسوم، وقدموا التضحيات، وانتظروا النتائج، ليكتشفوا أن الحلم كان سراباً.
هؤلاء الآباء المخدوعون كان عليهم أن يعلموا أن المليشيا لا تحتاج مدارسًا، بل تحتاج مقاتلين.. لا تحتاج شهادات، بل أجسادًا تملأ الخنادق.. كان عليهم أن يعرفوا أن كل شهادة زائفة غير معترف بها تمنحها المليشيا؛ هي في الواقع أداة لتثبيت هؤلاء الطلاب في مناطق سيطرتها، وإقناعهم بأن لا مستقبل لهم خارجها. إنها ليست تربية، بل تجنيد مقنّع. وليست تعليماً، بل غسل دماغ.
ستظل الشهادة السودانية الرسمية هي البوابة الوحيدة للمستقبل، وكل شهادة أخرى هي مجرد ورقة في مهب الريح.. نبارك لأبنائنا النجاح ونتمنى لهم مستقبلاً زاهرًا، ونهنئ الآباء بتفوق أبنائهم.. أما قادة المليشيا الذين خدعوا مواطنيهم وحابوا أبناءهم، فقد نجحوا في امتحان النفاق والخسة، ووضاعة الأصل.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



