
تقرير : الطابية
تمثل استعادة القوات المسلحة والقوات المساندة لمدينة الكرمك الحدودية واحدة من أبرز التحولات العسكرية في إقليم النيل الأزرق منذ اندلاع الحرب، ليس فقط لأنها أعادت مدينة استراتيجية إلى سيطرة الدولة، وإنما لأنها كشفت أيضاً عن تصدعات داخل التحالف العسكري الذي جمع مليشيا الجنجويد والحركة الشعبية – شمال بقيادة جوزيف توكا.
فبينما أعلنت السلطات المحلية بدء ترتيبات إعادة الخدمات وتهيئة البيئة لعودة المواطنين، تتجه الأنظار إلى ما بعد المعركة: ماذا تعني خسارة الكرمك بالنسبة للمليشيا؟ وهل تمهد الخلافات مع قوات جوزيف توكا لانهيار تحالفهما في النيل الأزرق؟
الكرمك.. مفتاح النيل الأزرق
تتمتع الكرمك بأهمية عسكرية وجغرافية استثنائية، فهي تقع على الحدود مع إثيوبيا، وتمثل بوابة استراتيجية تربط إقليم النيل الأزرق بالمناطق الحدودية.
كما أن السيطرة عليها تمنح أفضلية في تأمين الحدود الشرقية، وحماية خطوط الإمداد، وحرمان الخصم من موطئ قدم في واحدة من أكثر المناطق حساسية.
ولذلك، فإن استعادتها لا تُعد مجرد مكسب ميداني، بل تعني استعادة الدولة لنقطة ارتكاز مهمة في الإقليم.
ماذا تعني للجيش السوداني؟
سياسياً وعسكرياً، تمنح السيطرة على الكرمك القوات المسلحة عدة مكاسب.
أولها تثبيت سلطة الدولة في مدينة حدودية ذات أهمية استراتيجية، وثانيها تقليص مساحة نفوذ الدعم السريع وحلفائه في النيل الأزرق، وثالثها فتح الباب أمام إعادة الخدمات وعودة النازحين، وهو ما بدأ بالفعل عبر إعلان محافظ الكرمك تشكيل لجان متخصصة لإعادة الإعمار، وحصر الأضرار، وتهيئة الظروف لعودة المواطنين، إلى جانب دعم الموسم الزراعي.
كما تعزز هذه الخطوة ثقة السكان في قدرة الدولة على استعادة مؤسساتها، بعد سنوات من الاضطراب الأمني.
خسارة مؤلمة للمليشيا
في المقابل، تمثل خسارة الكرمك ضربة معنوية وعسكرية للدعـ م الســ ريع.
فالمدينة كانت تمثل موطئ قدم مهماً في النيل الأزرق، وفقدانها يعني انحسار مساحة الحركة، وتراجع القدرة على تهديد المناطق الحكومية في الإقليم.
ورغم أن المليشيا لم تصدر بياناً رسمياً تعترف بخسارة المدينة، فإن تقليل بعض المقربين منها لأهمية التراجع يعكس محاولة لاحتواء الأثر المعنوي، خاصة في ظل الخسائر التي تكبدتها قواتها خلال المعارك.
تحالف يهتز
من التطورات المهمة، قبل المعركة هو ظهور خلافات علنية بين قوات جوزيف توكا الدعـ م السـ ريع. فقد وجهت قيادات الحركة الشعبية انتقادات مباشرة لعناصر الدعـ م السـ ريع، متهمة إياها بالانشغال بأعمال النهب، وضعف الانضباط، وسوء إدارة المعارك، بينما حملت قيادات الدعـ م السـ ريع مسؤولية التراجع لعدم الإلمام بطبيعة المنطقة وتضاريسها.
وتعد هذه الاتهامات المتبادلة مؤشراً على تراجع الثقة بين الطرفين، وهي ثقة كانت تمثل أحد أهم عناصر استمرار التحالف العسكري.
هل ينهار تحالف جوزيف توكا والمليشيا؟
يرى مراقبون أن مستقبل هذا التحالف أصبح أكثر تعقيداً بعد خسارة الكرمك. فكلما زادت الضغوط العسكرية، تتزايد عادة الخلافات حول المسؤولية عن الهزائم، وهو ما قد يدفع كل طرف إلى البحث عن خيارات مستقلة.
ويكتسب في هذا السياق خطاب حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة بادي، أهمية خاصة عندما دعا عناصر قوات جوزيف توكا إلى العودة والانخراط في ترتيبات سلمية، محذراً من أنهم سيواجهون “مصير الجنجويد في الكرمك” إذا استمروا في القتال.
ويعكس هذا الطرح محاولة لفتح باب التسويات أمام المقاتلين، مع زيادة الضغوط العسكرية عليهم.
هل اقترب الحسم في النيل الأزرق؟
رغم أهمية استعادة الكرمك، فإن الحديث عن حسم كامل للمعارك في الإقليم يبقى سابقاً لأوانه.
لكن المؤكد أن ميزان العمليات شهد تحولاً لصالح القوات المسلحة، وأن المليشيا فقدت واحدة من أهم نقاط ارتكازها في النيل الأزرق.
وإذا استمرت الضغوط العسكرية، بالتزامن مع تصاعد الخلافات داخل التحالفات المناوئة للجيش، فقد تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التراجع في نفوذ المليشيا داخل الإقليم.
مرحلة جديدة
تكشف معركة الكرمك أن المعركة في النيل الأزرق لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت أيضاً اختباراً لتماسك التحالفات على الأرض.
فبينما تمضي الدولة في إعادة الخدمات وتهيئة الظروف لعودة المواطنين، يواجه خصومها تحديات متزايدة، ليس فقط بسبب الخسائر الميدانية، وإنما أيضاً نتيجة تصدع التحالفات التي اعتمدوا عليها طوال الفترة الماضية.
ولهذا، قد لا تكون استعادة الكرمك نهاية المعركة في النيل الأزرق، لكنها بلا شك تمثل بداية مرحلة جديدة في مسارها.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



