تقاريرسياسة

نذير قبل الكارثة.. عندما يتجاوز الانفلات الأمني حدود العقل

 

 

تقرير : الطابية

 

بعد أكثر من عام على استعادة القوات المسلحة السيطرة على العاصمة وأجزاء واسعة من البلاد، كان السودانيون ينتظرون أن تستعيد الخرطوم أمنها تدريجياً. لكن الوقائع المتلاحقة خلال الأيام الأخيرة تكشف أن معركة استعادة الدولة لم تنتهِ بعد، وأن الانفلات الأمني بات يشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه مرحلة ما بعد العمليات العسكرية.

ففي غضون يومين فقط، قُتل مواطن في وسط الخرطوم إثر إطلاق نار استهدف نهب سيارته، بينما شهد طريق شريان الشمال حادثة أكثر مأساوية تعرضت لها أسرة، حيث راحت ضحيتها الزوجة، بينما أصيب زوجها وابنتهما، في عملية نهب مسلح نُسبت، وفق روايات متداولة، إلى مجموعة مسلحة.

وتعيد هذه الحوادث إلى الواجهة سؤالاً ملحاً: لماذا يتزايد الانفلات الأمني رغم القرارات الحكومية بإخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة؟

 

من الحرب إلى الجريمة

 

يرى مراقبون أن أخطر ما أفرزته الحرب ليس فقط الدمار، وإنما انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة.

فمع تعدد التشكيلات العسكرية والقوات المساندة، أصبح حمل السلاح مشهداً مألوفاً في العاصمة وبعض الولايات، الأمر الذي أوجد بيئة تسمح بارتكاب جرائم النهب والقتل تحت غطاء القوة المسلحة، أو باستغلال الانتماء إلى تشكيلات عسكرية لتحقيق مكاسب إجرامية.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتورط فيها عناصر محسوبة على بعض الحركات المسلحة أو المجموعات النظامية، لأن ذلك يسيء إلى المؤسسات التي تنتمي إليها، ويقوض ثقة المواطنين في الأجهزة المكلفة بحمايتهم.

 

قرار بلا أثر واضح

 

كانت الحكومة قد أعلنت في وقت سابق خطة لإخلاء الخرطوم من جميع المظاهر المسلحة، وحصر السلاح داخل المؤسسات النظامية، باعتبار أن عودة الدولة تبدأ بعودة هيبة القانون.

غير أن الوقائع الأخيرة تشير إلى أن تنفيذ القرار ما يزال يواجه تحديات كبيرة، سواء بسبب بطء الإجراءات، أو صعوبة ضبط العناصر المسلحة المنتشرة في العاصمة، أو ضعف آليات الرقابة والمحاسبة.

ويرى مختصون أن إصدار القرارات وحده لا يكفي، ما لم يصاحبه تنفيذ صارم يشمل جمع السلاح غير المنظم، وملاحقة المتفلتين، وعدم منح أي جهة أو فرد حصانة خارج إطار القانون.

 

تهديد لاستقرار العاصمة

 

لا تتوقف آثار هذه الجرائم عند الضحايا وأسرهم، بل تمتد إلى المجتمع كله.

فانتشار النهب المسلح والقتل في الطرق العامة يخلق شعوراً عاماً بانعدام الأمان، ويؤثر في عودة النازحين والمواطنين إلى العاصمة، كما ينعكس سلباً على النشاط الاقتصادي والاستثماري، ويقوض جهود إعادة الإعمار.

فالمواطن الذي يخشى على حياته أثناء التنقل لن يكون قادراً على الإسهام في إعادة بناء ما دمرته الحرب.

 

خطر يهدد مشروع الدولة

 

يحذر خبراء أمنيون من أن استمرار التفلتات قد يقود إلى مرحلة أخطر، تتمثل في تحول الجريمة المسلحة إلى ظاهرة منظمة، يصعب احتواؤها لاحقاً.

كما أن غياب المحاسبة قد يشجع مجموعات أخرى على استخدام السلاح لتحقيق مكاسب شخصية، بما يؤدي إلى تآكل سلطة الدولة وعودة مظاهر الفوضى التي دفعت البلاد ثمناً باهظاً للتخلص منها.

والأخطر من ذلك أن أي تجاوزات تُنسب إلى عناصر مسلحة دون محاسبة سريعة وحاسمة قد تسيء إلى سمعة القوات التي تقاتل دفاعاً عن الدولة، وتخلط بين الدور العسكري المشروع والسلوك الإجرامي الفردي.

 

ما المطلوب؟

 

يرى مراقبون أن المرحلة الحالية تتطلب انتقال الدولة من إدارة المعركة العسكرية إلى فرض سيادة القانون.

ويبدأ ذلك بالإسراع في تنفيذ قرار إخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة، وجمع السلاح غير النظامي، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في جرائم ضد المدنيين، بغض النظر عن الجهة التي ينتمي إليها، مع تعزيز انتشار الشرطة والأجهزة العدلية في الأحياء والطرق الرئيسية.

فاستعادة المدن لا تكتمل باستعادة الأرض وحدها، وإنما باستعادة الأمن أيضاً. وإذا كانت القوات المسلحة قد نجحت في تحرير أجزاء واسعة من البلاد، فإن التحدي المقبل يتمثل في حماية المواطنين من السلاح المنفلت، حتى لا تتحول مكاسب الميدان إلى خسائر في الأمن والاستقرار، ويصبح الخوف من الجريمة امتداداً للخوف الذي صنعته الحرب.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى