اقتصادتقارير

عقب انهيار متسارع لقيمته.. هل تفلح الحكومة في إنعاش الجنيه السوداني؟

 

تقرير: الطابية

 

شهدت الأسواق المالية السودانية خلال الفترة الماضية موجة عاتية من التذبذبات الحادة في أسعار النقد الأجنبي والمعدن النفيس، عاش خلالها الجنيه السوداني “أسبوعاً ساخناً” تلخصت فيه أزمة السيولة النقدية والتشابك العضوي بين تسعير الذهب وسعر الصرف في السوق الموازية.

وتعكس التحركات حساسية سوق الصرف تجاه السياسات النقدية، وفي الوقت نفسه تكشف استمرار هشاشة السوق وتأثرها بعوامل العرض والطلب، وأسعار الذهب، وتوقعات المتعاملين.

 

 مؤشرات الحركة (من الانهيار إلى الارتداد)

 

توضح المؤشرات الرقمية خلال فترة التقرير ثلاث محطات رئيسية عكست وتيرة متسارعة لتعاملات الصرف:

مرحلة صدمة:

بدأ الأسبوع بضغوط تضخمية هائلة بلغت ذروتها يوم الثلاثاء الماضية، حيث قفز الدولار الأمريكي خلال يوم واحد من 5300 جنيه في بداية التعاملات إلى 5500 جنيه عند الإغلاق. ورافق هذا الانهيار قفزة قياسية في أسعار الذهب المحلي مدفوعة بارتفاع الأونصة عالمياً إلى 4109 دولاراً، حيث طار جرام الذهب الخام من 510 آلاف إلى 630 ألف جنيه، والمشغول إلى أكثر من 700 ألف جنيه.

 

مرحلة التعافي المؤقت وتدخل البنك المركزي:

 

انعكست الآية بفعل تدخل نقدي مباشر من بنك السودان المركزي، الذي ضخ يوم الثلاثاء الماضي كميات كبيرة من النقد الأجنبي فهبط الدولار بصورة حادة إلى 4800 جنيه (بنسبة تحسن بلغت نحو %12.7 من ذروة الثلاثاء)، وتراجع الدرهم الإماراتي بوضوح ليصل إلى 1260 جنيهاً، بالتزامن مع هبوط الذهب الخام إلى 540 ألف جنيه مستفيداً من تراجع الأسعار العالمية.

 

مرحلة الارتداد والانتكاسة السريعة (الجمعة 26 يونيو):

 

لم تدم الفرحة طويلاً؛ إذ عاودت العملات الأجنبية الارتفاع سريعاً ليرتد الدولار إلى 5200 جنيه، ويقفز الدرهم الإماراتي إلى 1410 جنيهاً، مدفوعاً بقرارات تسعيرية جديدة للذهب.

 

الإجراءات الحكومية..تناقض الأثر

 

اتسم الدور الحكومي خلال هذه الفترة بالتناقض في الأثر، حيث اصطدمت السياسة النقدية التوسعية لبنك السودان المركزي بقرارات قطاع التعدين، ليجد السوق نفسه مخنوقاَ بقرارين متضاربين:

الأول: إجراءات بنك السودان المركزي التي تمثلت في ضخ كميات واسعة من النقد الأجنبي، لثلاثة أيام متتالية، لصالح البنوك التجارية لتغطية فاتورة الاستيراد.، وقد نجحت فورياً في سحب البساط من تحت أرجل المضاربين في السوق الموازية، وكبح جماح التضخم وإعادة الثقة نسبياً للمتعاملين، وهو ما تفسره الأرقام المسجلة يوم الخميس.

والثاني: قرار شركة مصفاة السودان للذهب التي أعلنت رفع سعر شراء جرام الذهب الخام لصالح البنك المركزي ووكلائه إلى 586 ألف جنيه، وهو سعر أعلى من قيمة السوق السائدة حينها (540 ألف جنيه).

وهدفت المصفاة من هذا القرار إلى تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، ولكنه كان له أثر عكسي.. فرغم كونه جاذباً للمعدنين، إلا أنه أدى إلى إشعال أسعار الذهب محلياً من جديد، وتحول الذهب سريعاً إلى مخزن للقيمة ومحرك للطلب على النقد الأجنبي، مما تسبب في الانتكاسة السريعة للجنيه يوم الجمعة وعودة الدولار إلى حاجز الـ 5200 جنيه.

 

 إلى أين يتجه الجنيه؟

 

بناءً على المعطيات السابقة، يمكن قراءة السيناريوهات المستقبلية لحركة الصرف من خلال زاويتين:

الأولى: غياب التنسيق المؤسسي؛ حيث تُظهر التجربة أن التدخلات النقدية لبنك السودان المركزي (عبر ضخ العملات) تظل “مسكنات مؤقتة” ما لم تتناغم مع سياسات مؤسسات الدولة الأخرى (مثل مصفاة الذهب ووزارة المالية).

فرفع أسعار شراء الذهب محلياً بأعلى من قيمته الحقيقية يفرغ سياسة ضخ الدولار من محتواها ويدعم التضخم مجدداً.

الثانية استدامة احتياطيات النقد الأجنبي؛ فقدرة الجنيه على الاستقرار مستقبلاً مرهونة بمدى استمرارية البنك المركزي في عمليات الضخ. إذا كانت هذه الاحتياطيات محدودة، فإن السوق الموازية ستستعيد زمام المبادرة سريعاً وتدفع الدولار لمستويات قياسية جديدة قد تتجاوز حاجز الـ 6000 جنيه.

 

أظهرت الأيام الماضية أن السوق تستجيب سريعاً للتدخلات الحكومية، لكنها أظهرت أيضاً أن أي تحسن يظل هشاً وقابلاً للتراجع إذا لم تدعمه إصلاحات أوسع تعالج جذور أزمة النقد الأجنبي وتعيد الثقة إلى الجنيه السوداني على المدى الطويل.

يمر الجنيه السوداني بمرحلة “توازن قلق”، والحل لا يكمن فقط في ضخ السيولة الأجنبية لتهدئة السوق مؤقتاً، بل في تبني حزمة سياسات موحدة ومستدامة توقف المضاربة بقطاع الذهب وتضمن السيطرة على قنوات الاستيراد الرسمية.

سيظل الذهب في السودان هو “الترمومتر” الحقيقي لسعر الصرف؛ فطالما ظلت أسعاره المحلية تُدار بآلية إدارية تفوق أسعار السوق الحرة، سيظل الجنيه تحت رحمة المضاربات غير المباشرة عبر بوابة المعدن الأصفر.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى