أخبارأخبار االسودانمقالات

المليشيا تترك آثارها

أحمد غباشي

ليس الخراب والدمار وحده هو ما تخلفة المليشيا وراءها في كل بقعة حلت بها ثم أجبرت على الفرار منها، بل هناك اثر أعمق وأبشع تحرص دائمًا على تركه دليلاًِ على أنها مرت من هناك.. قتلى ومقابر جماعية تحكي بصمت قصة وحشية لا تعرف حدوداً، وعطشاً للدماء لا يرتوي.
كشف والي النيل الأزرق عن عثور الجيش، في عملية تمشيط قام بها شرقي مدينة الكرمك بعد استعادته السيطرة على المنطقة، على مقابر جماعية ضمت مدنيين أعدمتهم المليشيا، بينهم أطفال ونساء وكبار سن!.. أطفال لم يبلغوا سن القتال، ونساء لم يحملن سلاحاً، وشيوخ أنهكهم العمر. قتلوا جميعاً بدم بارد، ودُفنوا في حفر جماعية، وكأن مهمة المليشيا الوحيدة كانت محو الحياة عن وجه الأرض.
ليست هذه أول مقبرة جماعية تُكتشف في مناطق سيطرة المليشيا، وللأسف لن تكون الأخيرة. فمن الجنينة إلى الفاشر، ومن الخرطوم إلى الجزيرة، واليوم في الكرمك، تتكرر المشاهد ذاتها؛ مدنيون يُقتلون بلا ذنب، ثم يُدفنون في الخفاء، ليكتشفهم الجيش عندما يعيد الحياة إلى المناطق المحررة.. إنه نمط إجرامي ثابت يكشف عن نفسية مختلة تستمع بالدماء ونظرات الفزع في أعين الضحايا الأبرياء.. هذا هو ما تنفق عليه بسخاء دويلة الشر لتخلد في سفر التاريخ آثار أحفاد القرامطة وأشباه المغول وإخوة القتلة المتسلسلين على مر التاريخ.
هذه مجازر ترتكب تحت سمع العالم وبصره.. ولن نكرر السؤال الذي لا معنى؛ “أين المجتمع الدولي من كل هذا”؟.. لأنه معلوم لدينا أن المجتمع الدولي لن يكترث لمآسي العالم الثالث طالما أن مصالحه مصانة.. ولذلك أطلق على مأساة السودان اسم “المأساة المنسية”!.. ليس للفت الانتباه إليها، بل أمعاناً في تطبيع العالم علي نسيانها!..
ولكننا نشير بأصبعنا إلى موقع هذه الفظائع من المؤامرة.. إن صناعة التوحش ليست اداة حرب فحسب.. بل وسيلة لصناعة واقع التقسيم وفصل شمال وشرق وجنوب ووسط السودان عن غربه! .. والتقسيم الاجتماعي أكبر وأعمق من التقسيم السياسي والجغرافي!.. ولذلك تحرص القوى الممسكة بخطام التمرد على إدارة التوحش بحيث يفضي إلى بناء جدار شاهق بالجثث والجماجم والمقابر الجماعية يشطر الوطن إلى شطرين، ويفصلهما بحاجز نفسي عميق حندق من المآسي لا يسهل عبوره!.. ليطلق بعد ذلك دعوات هنا وهناك تستعذب هذا الفصل وتزيِّنه وتروج له مستندة إلى الوقائع الإجرامية لإثبات انه لا يمكن العودة للتعايش بين مكونات البلد الواحد!.
ولذلك هذا يؤكد أن الطريق الذي يعيد السودان بلدًا واحدًا يبدأ بهزيمة هذا المشروع تمامًا وتحطيمه هذا في كامل رقعة البلد!..وأن المشروعات التي تروج لها الخماسية الدولية للعودة إلى طاولة المفاوضات، لن تجدي إذا لم تقم على أساس تجريم هذا المشروع كشرط أساسي وإدانة كل ساهم فيه أو سانده..
إن سفهاء السياسة في شلة صمود، يتغافلون عن كل هذا، في الوقت الذي يحرصون فيه كل الحرص على أن يصوروا للشعب السوداني عدوًا وهميًا، ممثلاً في حزب النظام البائد وما يقولون عنه واجهاته.. فهم يحرصون على إغلاق الباب أمام أي وجود لهم أكثر من حرصهم على حفظ دماء السودانيين!.. هؤلاء لا يجدون غضاضة في فرش البساط الأحمر لعودة القتلة لسدة الحكم، شريطة ألا يظهر، ولو في المقاعد الخلفية، إسلاميون!.. ولذلك ناصروا ودعموا وسكتوا عن كل الجرائم.. إن كل مقبرة جماعية تُكتشف هي شهادة إدانة ضد مرتكبيها ومن سكت عنهم، ودعمهم، وبرر وجودهم، وحاول إلباسهم ثوب الشرعية..
وأهالي الكرمك الذين أُعدموا بدم بارد ليسوا مجرد أرقام في تقرير حقوقي، بل كانوا بشراً ينامون ويستيقظون ويحلمون ويأملون في غدٍ أفضل. قتلتهم المليشيا لأن القتل هو صنعتها، ولأن الدم هو بوصلتها، ولأنها لا تفهم من الوجود إلا فوهة البندقية.
في الكرمك، تركت المليشيا أثرها المعتاد حفراً في الأرض، وجثثاً في التراب، وقلوباً مفطورة من الفقد. لكنها تركت أيضاً إصراراً على أن لا ننسى، وأن لا نسكت، وأن لا نسمح لهذا الكيان الإجرامي بأن يجد له مقعداً في مستقبل السودان. فالشعب الذي دفن أبناءه في مقابر جماعية، لن يوقع مع قتلتهم على اتفاق يعيدهم إلى المشهد. . والشعب الذي رأى بأم عينه ما تصنعه المليشيا، يعرف أن المعركة معها ليست سياسية ولا تفاوضية، بل هي معركة وجود، إما نحن أو هم.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى