تقاريرسياسة

ترحيل السودانيين من ليبيا.. أزمة أمن أم خطاب كراهية؟

 

الخرطوم: الطابية

أثارت حملات الترحيل والاعتقال التي نفذتها السلطات الليبية بحق مئات السودانيين خلال الأيام الأخيرة موجة واسعة من القلق جدلاً وقلقاً واسعين، في وقت لا تزال فيه الحرب المستمرة، وانتهاكات مليشيا آل دقلو الإرهابية في دارفور وكردفان وتدفعان الآلاف المؤلفة إلى البحث عن ملاذات آمنة خارج البلاد.
وبحسب تقارير متطابقة، شنت السلطات في شرق ليبيا خلال الأسبوع الأول من يونيو 2026 حملات واسعة استهدفت مهاجرين ولاجئين في مدن طبرق والبطنان وبنغازي، أسفرت عن توقيف أعداد كبيرة من السودانيين ونقل بعضهم إلى مراكز احتجاز تمهيداً لترحيلهم. وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد الموقوفين تجاوز 1400 شخص، بينهم مئات السودانيين.

تصاعد الحملة.. ومزاعم التوطين

تأتي هذه الإجراءات في ظل تنامي الجدل داخل ليبيا بشأن ملف الهجرة والوجود الأجنبي، خاصة بعد ظهور حملات شعبية ترفض ما تصفه بـ”توطين المهاجرين”، إلى جانب دعوات للتظاهر أمام مقار مفوضية اللاجئين في العاصمة طرابلس.
وجاءت هذه التطورات إثر مزاعم روج لها ناشطون وناشطات تحت اسم “حراك نشطاء طرابلس ضد التوطين”.
وخلال الأسابيع الماضية، نظم ناشطون في ميدان الشهداء وسط العاصمة طرابلس مظاهرات مناهضة للمهاجرين واللاجئين الأفارقة الذين يتخذون من ليبيا معبراً للوصول إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. ودعا المشاركون إلى ترحيل المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية ورفض أي مشاريع لتوطينهم داخل ليبيا.
وكان التركيز بشكل واضح، خلال تلك الحملات على اللاجئين السودانيين، الذين نالوا النصيب الأوفر من حملات التوقيف الترحيل، بحسب تقارير إعلامية ليبية متعددة.
كما نفذت السلطات الليبية عمليات ترحيل فردية وجماعية خلال الأيام الماضية، من بينها إعادة مجموعة من السودانيين عبر مطار بنينا في بنغازي، ضمن ما تصفه السلطات بإجراءات مكافحة الهجرة غير الشرعية.

أوضاع إنسانية معقدة

في هذه التطورات عبرت كثير من المنظمات الإنسانية عن مخاوف متزايدة من العواقب، لا سيما أن عدداً كبيراً من السودانيين الموجودين في ليبيا فروا أساساً من الحرب الدائرة في بلادهم منذ أبريل 2023.
وتحذر جهات حقوقية من أن عمليات الترحيل الجماعي قد تضع المرحّلين أمام أوضاع إنسانية صعبة، في ظل استمرار النزاع وتدهور الوضع الأمني وغياب الخدمات الأساسية، خاصة في مناطق سيطرة المليشيا. كما تطالب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بضرورة تمكين طالبي اللجوء من الحصول على تقييم فردي لأوضاعهم قبل اتخاذ قرارات الترحيل.
من جانبها، أعربت البعثة الأممية للدعم في ليبيا والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان عن قلقهما البالغ إزاء تصاعد الخطاب التحريضي والمعلومات المضللة ضد الأجانب، داعيتين إلى الالتزام بمعايير حقوق الإنسان وعدم الانجرار وراء خطاب.

ليبيا.. محطة لجوء رئيسية للسودانيين

تحولت ليبيا خلال السنوات الثلاث الماضية إلى إحدى أبرز وجهات اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، مستفيدة من طول الحدود المشتركة بين البلدين وسهولة الحركة النسبية مقارنة ببعض دول الجوار.
وتشير بيانات متداولة إلى وجود مئات الآلاف من السودانيين داخل الأراضي الليبية، يتمركز عدد كبير منهم في الكفرة وبنغازي وطرابلس ومدن الشرق الليبي.
غير أن غياب نظام لجوء مستقر، وتعدد مراكز السلطة، وتكرار حملات مكافحة الهجرة غير الشرعية، جعل أوضاعهم عرضة للتقلبات الأمنية والسياسية بصورة مستمرة.

تداعيات محتملة

يرى مراقبون أن استمرار حملات الترحيل قد يدفع مزيداً من السودانيين إلى البحث عن مسارات هجرة أكثر خطورة نحو أوروبا أو دول أخرى، كما قد يزيد الضغوط الإنسانية على المناطق الحدودية السودانية التي تستقبل العائدين.
وفي المقابل، تؤكد السلطات الليبية أن إجراءاتها تأتي في إطار فرض السيادة وتنظيم الوجود الأجنبي ومكافحة الهجرة غير النظامية، وسط تصاعد الضغوط الداخلية المرتبطة بهذا الملف.

الموقف السوداني الرسمي:

حتى الآن لا توجد تصريحات معلنة حديثة من رئيس الوزراء أو مجلس السيادة أو وزارة الخارجية السودانية تتبنى موقفاً صريحاً يدعم أو يرفض حملات الإعادة الليبية بشكل تفصيلي،
ولكن السلطات الليبية قالت إن بعض عمليات إعادة السودانيين تمت بالتنسيق مع السفارة والبعثة السودانية، وأن عمليات العودة جرت في إطار ما وصفته بـ”العودة الطوعية” وبناءً على طلبات أو ترتيبات مشتركة مع الجانب السوداني. كما أشارت وزارة الداخلية الليبية إلى أن رحلات إعادة نازحين سودانيين عبر مطار معيتيقة تمت بالتنسيق مع السفارة السودانية لضمان “عودة آمنة ومنظمة”.
ولكن بناءً على الموقف العام للحكومة السودانية من قضية اللاجئين السودانيين بدول الجوار، يمكن استنتاج أن الموقف الرسمي الحالي يميل إلى؛ عدم الاعتراض على عودة السودانيين الراغبين في العودة، والقبول ببرامج العودة المنظمة والمنسقة مع السلطات الليبية.
ومن جانب آخر تتجنب الحكومة السودانية الدخول في أية مواجهة دبلوماسية مع ليبيا بشأن الملف، والحملات وما إليه، وتركز على أن تتم العودة عبر ترتيبات رسمية تضمن سلامة العائدين.

تكشف أزمة ترحيل السودانيين من ليبيا عن مأزق إنساني متشابك؛ فبين حاجة مئات الآلاف من السودانيين، الذين فقدوا أسرهم منازلهم وقراهم، إلى الحماية من تداعيات الحرب، في المناطق التي لم يمتد إليها الاستقرار بعد.. وبين تضجر كثير من دول الجوار من وجود اللاجئين، والسعي للتخلص من الملف.. وسط غياب كبير لدور ما يُسمى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين من معالجة الملف، تتضاعف معاناة كثير من الأسر السودانية، التي رتبت أوضاعها على البقاء بضعة سنوات، على الأقل، للتعافي.
كما تنغلق الخيارات أمام كثير من الشباب الباحثين عن فرص عمل، مما يدفع بهم إلى مغامرات أشد خطورة على قوارب الموت في رحلات الهجرة غير الشرعية عبر مياه المتوسط أمواجه المتلاطمة.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى