تقارير

أزمة الكهرباء في السودان.. صيف ساخن وقطوعات أطول

 

تقرير: الطابية

تعود أزمة الكهرباء إلى واجهة المشهد السوداني بصورة أكثر حدة مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، في وقت تعاني فيه البلاد من آثار الحرب التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية لقطاع الطاقة، وفاقمت معاناة المواطنين في المدن والولايات.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت شكاوى المواطنين من قطوعات طويلة ومتكررة، ترافقت مع احتجاجات المواطنين في بعض من المناطق بشمال السودان. في وقت تكشفت فيه تقديرات رسمية عن حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع جراء الحرب المستعرة.

احتجاجات عبري.. وقطع الطريق الدولي

أمس الأحد ١٧ مايو الجاري، أقدم محتجون غاضبون على إغلاق الطريق التجاري الحيوي الرابط بين السودان ومصر بالقرب من منطقة عبري بمحلية وادي حلفا. واستهدف المحتجون بشكل أساسي حركة الشاحنات التجارية، في رسالة احتجاج واضحة على انقطاع الكهرباء المستمر، بينما سُمح للحافلات والمركبات الخاصة بالمرور لتخفيف الأثر على المدنيين .
“هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها الناس إلى الشوارع بسبب الكهرباء”، هكذا وصف أحد السكان المحليين الوضع، مضيفاً أن “انقطاع التيار الكهربائي أصبح لا يطاق، خصوصاً مع الحرارة الشديدة”. وتشهد المنطقة درجات حرارة تتجاوز 44 درجة مئوية، مما يضاعف من معاناة السكان الذين يعانون أصلاً من محدودية الوصول إلى المياه والكهرباء .

بين قسوة الصيف وندرة الكهرباء

تأتي الأزمة الحالية في وقت تشهد فيه البلاد موجة حر قاسية، دفعت الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية، خصوصاً مع الاعتماد الكبير على أجهزة التبريد في المنازل والمرافق الصحية.
لكن الشبكة القومية، التي تعاني أصلاً من هشاشة فنية ونقص في الصيانة وقطع الغيار، لم تعد قادرة على مجاراة الأحمال المتزايدة، ما أدى إلى اتساع نطاق البرمجة القسرية للقطوعات في الخرطوم وعدد من الولايات.
ويقول مختصون في قطاع الطاقة إن الأزمة الحالية ليست مجرد مشكلة إنتاج، بل نتيجة تراكمات طويلة تفاقمت بفعل الحرب، بعد خروج محطات وخطوط نقل ومحولات عن الخدمة بسبب الاستهداف المباشر أو ضعف الصيانة وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع.

خسائر الحرب.. شبكة منهكة

تقديرات رسمية أشارت خلال الأشهر الماضية إلى أن قطاع الكهرباء تكبد خسائر ضخمة نتيجة الحرب، شملت تدمير محطات تحويل، وخروج أجزاء من شبكات النقل والتوزيع عن الخدمة، إضافة إلى نهب كميات كبيرة من الكوابل والمحولات والمعدات.
كما تأثرت عمليات الصيانة الدورية بسبب الظروف الأمنية، ما جعل الأعطال الصغيرة تتحول إلى أزمات ممتدة يصعب احتواؤها بسرعة.
تكبدت البنية التحتية للكهرباء خسائر هائلة جراء التخريب المتعمد من قبل المليشيا. وقد قدرت شركة الكهرباء السودانية أن إعادة تأهيل القطاع تتطلب مبلغاً طائلاً يقدر بنحو 1.7 مليار دولار، نتيجة للدمار الواسع الذي أصاب المرافق الحيوية، بما في ذلك تدمير ونهب حوالي 30 محطة كهرباء رئيسية في الخرطوم وحدها. وتقدر وزارة الطاقة تضرر حوالي 150,000 كيلومتر من خطوط النقل و15,000 محول بسبب الحرب.
أما على مستوى محطات التوليد الحراري، فتقدر السلطات أن إعادة تأهيل محطات قري وبحري وأم دباكر فقط سيكلف نحو 22 مليون دولار، وهو عبء مالي ضخم في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد ونقص التمويل العام.

الجبَّادات.. حلول إسعافية غير نظامية تحولت إلى أزمة

وتؤكد مصادر فنية أن بعض الأعطال الحالية مرتبطة أيضاً بزيادة الأحمال بصورة تفوق الطاقة التصميمية للشبكة، خاصة في الأحياء السكنية المكتظة، بسبب انتشار التوصيلات العشوائية المعروفة شعبياً بـ“الجبادات”، وهي خطوط غير نظامية لجأ إليها كثير من المواطنين بسبب انعدام وفرص الشراء والتحصيل الطبيعي، خصوصاً في المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة المليشيا؛ حيث غياب مكاتب التحصيل، وانقطاع شبكة الإنترنت.
ورغم أن الظاهرة قديمة، إلا أنها توسعت بصورة كبيرة خلال الحرب، حتى في مناطق سيطرة الجيش، بسبب النزوح، وضعف الرقابة، وارتفاع تكاليف الإمداد النظامي في ظل ضيق المداخيل المالية للمواطنين.
لكن مهندسين في قطاع الكهرباء يحذرون من أن “الجبادات” أصبحت سبباً رئيسياً في زيادة الأحمال وحدوث الأعطال، لأنها تؤدي إلى استهلاك غير محسوب للطاقة، وتسبب اختناقات فنية وارتفاعاً في الفاقد الكهربائي.
وفي الفترة الأخيرة نشطت الحملات الحكومية لإزالة هذه التوصيلات، مع فرض غرامات مالية كبيرة على مواطنين وصفوا الإجراءات بأنها “تمثل ضغطاً كبيراً على قدرتهم المعيشية”، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية القاسية.

الجهود الحكومية لإعادة تأهيل الشبكة

تركز الحكومة على إعادة بناء ما دمرته الحرب بشكل كامل، في الولايات والمناطق المتضررة، فقد جددت وزارة المالية التزامها بالإنفاق على قطاع الكهرباء كأولوية ضمن جهود إعادة الإعمار.
ففي الخرطوم، أعلنت شركة الكهرباء عن وصول أول دفعة من محولات إعادة الإعمار، وتضم 400 محول عالي المواصفات مخصصة حصرياً لإعادة تأهيل شبكة ولاية الخرطوم. ووصفت الشركة هذه الخطوة بأنها “المرحلة الكبرى” لمشروع إعادة إعمار العاصمة، واعدةً بالعمل على تحقيق هدف “خرطوم مضيئة بالكامل”.
وأكدت وزارة المالية أنها التزمت مسبقاً بدفع تكاليف 5500 محول كهربائي، تم استلام 3500 منها بالفعل، فيما ستصل البقية تباعاً إلى ولاية الخرطوم لتهيئة البيئة لعودة المواطنين.
وفيما يتعلق بالطوارئ، أطلقت شركة توزيع الكهرباء السودانية أسطولاً جديداً من مركبات الطوارئ قدمه رئيس مجلس السيادة الانتقالي، لدعم جهود إعادة التيار الكهربائي في المناطق المتضررة بالخرطوم. ويأتي هذا الأسطول لتعويض الخسائر الفادحة التي لحقت بالشركة، حيث فقدت أكثر من 373 مركبة ومعدة خلال الحرب.
هذا بالإضافة إلى جهود إعادة التيار للمناطق السكنية والصناعية والخدمية. وجهود تشغيل محطة “أم دبيكر” بالغاز أو الطاقة الشمسية.
كما لجأت الحكومة إلى التعاون مع شركاء دوليين لتوفير المعدات والخبرات اللازمة لإعادة تشغيل القطاع، فعقدت
اتفاقيات مع شركات صينية لتأهيل محطة كهرباء الفولة، وإعادة تأهيل خطوط النقل المدمرة، بالإضافة إلى توريد محولات ومحطات طاقة متنقلة لإصلاح الشبكة بسرعة.
كما تجري مباحثات مع مصر تركز على وضع خارطة طريق فنية لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء، وتأكيد الدعم المصري عبر توفير محولات كهرباء ووحدات دعم متنقلة والتوسع في مشروعات الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى العمل على استكمال المرحلة الثانية من مشروع الربط الكهربائي بين البلدين (توشكى 2 – وادي حلفا) بقدرة 300 ميغاواط.

الطاقة الشمسية.. حل فوق طاقة الفقراء؟

مع تراجع استقرار الشبكة القومية، اتجهت أعداد متزايدة من السودانيين إلى أنظمة الطاقة الشمسية كبديل عملي، خاصة للمنازل والعيادات والمتاجر الصغيرة.
غير أن تكلفة تركيب الأنظمة الشمسية ما تزال مرتفعة للغاية بالنسبة لمعظم الأسر، بسبب ارتفاع أسعار الألواح والبطاريات والمحولات، فضلاً عن ارتباط معظم المكونات بسعر الدولار.
ويقول مختصون إن تركيب نظام شمسي متوسط لمنزل عادي قد يتجاوز ملايين الجنيهات، وهو مبلغ يصعب على غالبية المواطنين تحمله في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية.
هل تتدخل الدولة؟
في المقابل، بدأت تظهر دعوات متزايدة تطالب الدولة بالتدخل لتمويل أنظمة الطاقة الشمسية للقطاع السكني، باعتبارها حلاً استراتيجياً لتخفيف الضغط على الشبكة القومية.
ويقترح خبراء إنشاء برامج تمويل مصرفية ميسرة، أو شراكات مع شركات الطاقة، تسمح للمواطنين بالحصول على الأنظمة عبر أقساط طويلة الأجل، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً من القطوعات.
ويرى بعض المختصين أن دعم الطاقة الشمسية لم يعد “ترفاً بيئياً”، بل ضرورة اقتصادية وأمنية في بلد يعاني من هشاشة البنية التحتية وصعوبة استقرار الإمداد الكهربائي.
كما يشير آخرون إلى أهمية توطين صناعة بعض مكونات الطاقة الشمسية محلياً لتقليل التكلفة مستقبلاً.

وما بين الحلول الإسعافية والإصلاح الجذري، تقول السلطات إنها تواصل العمل على معالجة الأعطال وإعادة تأهيل أجزاء من الشبكة، مع تنفيذ صيانات لمحطات التوليد وخطوط النقل.
لكن مراقبين يرون أن الحل الحقيقي يتجاوز المعالجات الإسعافية، ويتطلب إعادة بناء شاملة لقطاع الكهرباء، تشمل تحديث الشبكات، وتقليل الفاقد، والتوسع في الطاقات البديلة، ووضع سياسات عادلة للتوزيع والتحصيل.
وفي ظل استمرار الحرب والأزمة الاقتصادية، تبدو الكهرباء في السودان أكثر من مجرد خدمة؛ إنها عنوان يومي لأزمة دولة تواجه ضغطاً هائلاً بين تآكل البنية التحتية وتزايد احتياجات السكان، بينما يزداد السؤال إلحاحاً مع كل موجة حر جديدة: إلى متى تستمر العتمة؟.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى