تقاريرسياسة

“الرد بالمثل”.. هل يفتح السودان بوابة الحرب داخل إثيوبيا؟

 

تقرير: الطابية

 

الاعتداءات الإماراتية الأخيرة التي تم تنفيذها بتعاون وتنسيق مشترك بين المليشيا وإثيوبيا، حملت إلى المشهد الإقليمي نذر تحولات كبيرة في الحالة الأمنية امتدادات الصراع.. حيث مثلت انتهاكاً مباشراً للسيادة السودانية، خاصة مع استصحاب رمزية المواقع التي تم استهدافها، التي من بينها مطار الخرطوم الدولي، فضلاً عن انتهاك الحدود وإزهاق أرواح مواطنين سودانيين،وتخريب منشآت وطنية.

ولكن الرياح الحقيقية، جاءت في التصريحات الصادرة عن الجيش السوداني، ثم وزارة الخارجية السودانية. فقد أعلن الجيش، عبر ناطقه الرسمي، أن السودان يمتلك الأدلة الكاملة التي تثبت تورط كل من إثيوبيا والإمارات في هذه الاعتداءات، مؤكداً أن السودان تحتفظ بحقه في الرد على هذه “الاعتداءات”، وأن القوات المسلحة في “أعلى درجات الجاهزية”، وهو ما يضع السودان على حافة الرد العسكري.. ثم جاء التهديد الأشد وقعاً، على لسان وزير الخارجية الذي صرح بأن السودان مستعد “للدخول في مواجهة مفتوحة مع إثيوبيا إذا اقتضت الضرورة”، مشدداً على أن “كرامة الشعب السوداني أغلى من أي شيء”.. هذا التصريح فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه “المواجهة المفتوحة” التي تلوح في الأفق.

 

ماذا يعني “دخول السودان في مواجهة مفتوحة مع إثيوبيا”؟

 

في تحليل معمق للتصريحات، يمكن القول إن مفهوم “المواجهة المفتوحة” لا يعني بالضرورة حرباً كلاسيكية معلنة بين جيشين نظاميين على حدود البلدين، بل يحمل سيناريوهات أكثر تعقيداً من الرد العسكري المباشر المحدود، الذي لا يبدو راجحاً نسبة الانشغال الجيش السوداني في حرب داخلية ضد المليشيا المتمردة، وليس وارداً فتح جبهة خارجية جديدة تستنزف موارده البشرية والمادية.

ولكن السيناريو الأكثر ترجيحاً، والأكبر جدوى، والأخطر داعياً، مع كونه يمثل مبدأ التعامل بالمثل، هو التدخل في ملف تيغراي.. فالاتهامات الإثيوبية المتكررة للجيش السوداني بالتدخل في “أزمة تيغراي” تفتح الباب أمام خيار الرد المتكافئ. فإذا كان الإثيوبيون يستخدمون الأراضي الإثيوبية لشن هجمات ضد السودان، فبإمكان الخرطوم أن ترد بالمثل من خلال تعزيز دعمها لعناصر الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، الذين يخوضون صراعاً شرساَ ضد الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا منذ 2020، واستغلال حالة التوتر بين الحكومة الإثيوبية وإقليم تيغراي، والتي لم تهدأ بالكامل، حتى بعد توقيع اتفاق السلام في نوفمبر 2022، لخلق أزمات داخلية لأديس أبابا تشغلها عن دعم مليشيا الدعـ م السـ ريع.

المواجهة المفتوحة المعلنة لن تكون بمعناها التقليدي، بل ستكون حرباً بالوكالة تُدار في تيغراي وحدود البلدين الشرقية.. وهذا ينقل الحرب السودان من حرب أهلية، إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية متعددة، تتداخل فيها الملفات الحدودية، وأزمة سد النهضة، والصراع على النفوذ في البحر الأحمر، والنزاعات الداخلية في البلدين.

 

ماذا يعني هذا السيناريو بالنسبة لإثيوبيا

 

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من فهم السياق الداخلي الإثيوبي الراهن أولاً، ثم تحليل كيفية تقاطع هذا السياق مع التهديد السوداني.

أولاً: تيغراي على شفا حرب جديدة:

تشير التقارير الواردة من أديس أبابا إلى أن إقليم تيغراي يشهد تطورات خطيرة ومتسارعة، تذكرنا بالأجواء التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية المدمرة بين 2020 و2022 والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن 600 ألف شخص.

بدأت الشرارة الأولى في 26 يناير 2026، باندلاع اشتباكات في منطقة “تسيلمتي” الحدودية المتنازع عليها، وهي منطقة غنية بالذهب والموارد الزراعية.. ثم تلا ذلك تنفيذ أديس أبابا غارت بالطائرات المسيرة على أوقعت ضحايا مدنيين.

ولكن أبرز هذه التطورات هو إعلان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) يوم 5 مايو 2026 إعادة السيطرة على الإدارة السياسية في الإقليم، وعودة زعيمها السابق ديبريتسيون جيبريميكاييل لرئاسة البرلمان الإقليمي. وجاء في بيان الجبهة أن “الإدارة المؤقتة لم تعد قائمة”، في إشارة إلى الهيكل الذي تم تشكيله بموجب اتفاق بريتوريا للسلام الذي أنهى الحرب الأهلية.

هذه الخطوة وُصفت من قبل المحللين بأنها “تصعيد كبير” و”مقلقة للغاية”، حيث حذر البروفيسور كيتيل ترونفول، الخبير في شؤون المنطقة، من أنها قد تؤدي إلى “نزاع مسلح جديد” إذا لم يتم إدخال جهود تخفيف وتهدئة سريعة. ويشير الخبراء إلى أن هذه المناورات المستمرة “قد تؤدي بسهولة إلى صراع كارثي”.

من جانبه، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد اتهامات مباشرة لقيادة تيغراي بـ”التقاط ما يناسبها فقط” من اتفاق بريتوريا، محذراً من تحويل ميزانيات التنمية نحو “الاستعدادات العسكرية والحفاظ على الميليشيات المسلحة”.

ويرى محللون أن آبي أحمد يسعى لإخضاع تيغراي ليحول الإقليم إلى “قاعدة خلفية” في حرب محتملة مع إريتريا، بهدف الوصول إلى البحر الأحمر الذي فقده عام 1993.

 

توقيت قاتل وتهديد وجودي؟

 

على خلفية هذا الوضع الداخلي شديد الالتهاب، فإن أي تدخل سوداني لدعم تيغراي – سواء بالمعدات أو التمويل أو الدعم اللوجستي – سيمثل لإثيوبيا تهديداً وجودياً متعدد الأبعاد، فهو يعني تحويل الصراع الداخلي إلى حرب إقليمية.. فبينما كانت إثيوبيا في السابق تواجه تيغراي وحدها، فإن أي دعم سوداني مكثف للمتمردين سيخلق معادلة جديدة.

والاتهامات التي أطلقها وزير الخارجية الإثيوبي ضد الخرطوم – وتحديداً اتهام الجيش السوداني بتمويل، من أسماهم، “مرتزقة تيغراي” وتزويدهم بالسلاح وتسهيل توغلاتهم على طول الحدود الغربية – لم تكن اتهامات عابرة. بل هي تعكس خوفاً حقيقياً من أن يصبح السودان “مركزاً للقوات المعادية لإثيوبيا”. وإذا تحققت هذه الاتهامات فعلياً في حال قررت الخرطوم التصعيد، فإن قدرة أديس أبابا على احتواء التمرد في تيغراي ستنهار بشكل شبه كامل.

 

خطر الصراع الإقليمي على إثيوبيا

 

اشتعال الوضع في تيغراي قد يقود المنطقة إلى صراع إقليمي، خاصة أن بعض حلفاء إثيوبيا في حرب تيغراي الأولى 2020.. على سبيل المثال إريتريا، التي لا تعيش حالة الآن وفاق مع إثيوبيا، اشتعل التوتر بينهما بسبب اتهامات أديس أبابا لأسمرا باحتلال أراضي إثيوبية، وبدعم المتمردين عليها في تيغراي وفي مناطق أخرى.. وفي نفس الوقت، تعتبر إريتريا من أقوى حلفاء السودان في المنطقة.

وبجانب إريتريا تدخل مصر، بوصفها حليفاً للسودان، مستفيداً أساسياً من أي تصعيد في المنطقة ضد إثيوبيا، بسبب الصراع حول سد النهضة وقسمة مياه النيل.

كما أن وجود الإمارات داخل المعادلة، يضع إثيوبيا في مواجهة حلفاء آخرين للسودان منافسين للنفوذ الإماراتي في المنطقة، وهما السعودية وتركيا، وربما آخرون.

عموماً فإن المنطقة تغلي بالتوترات والصراعات المكتومة التي تبحث عن من يؤججها.

 

في المحصلة، فإن إثيوبيا تجر نفسها والمنطقة إلى لعبة خطيرة جداً، وتجبر السودان على الرد بالمثل.. إثيوبيا تراهن على دعم الإمارات والانشغال السوداني بالحرب الأهلية، بينما السودان يراهن على التمرد في تيغراي والخلافات الإثيوبية – الإريترية.

ومن الواضح، أن لعبة شد الأطراف التي كانت تلعبها إثيوبيا إلى جنب المليشيا والإمارات لتشتيت انتباه الجيش السودان عن حسم المعركة في كردفان دارفور، سينفلت عقالها، وتتحول إلى كرات متفجرة تحت أقدام أديس أبابا.. إذا نفذ السودان تهديده وفقاً لهذا السيناريو. ​

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى