سياسةكاتب ومقال

وهمُ الثنائيات في قراءة التاريخ والصراع السياسي

 د. عبد الرحمن مشاوي

 

يتكرر في الخطاب السياسي والفكري المعاصر دفع الناس إلى ثنائية حادة يُصوَّر فيها الواقع وكأنه لا يحتمل إلا خيارين:

إمّا الاصطفاف مع مشروع إقليمي توسعي،

وإمّا الاصطفاف مع قوة دولية كبرى وحلفائها.

ويُقدَّم هذا التصوير وكأنه قدر تاريخي محتوم، أو مسار لا يمكن الخروج عنه، حتى يُخيَّل للناس أن التاريخ نفسه لا يسمح إلا بهذا الخيار أو ذاك. ثم يُسأل الناس بعد ذلك سؤال الاستنكار: أليس فيكم رجل رشيد؟ بعد أن أُجبروا أصلًا على قبول إطار فكري ضيق لا يلزمهم.

غير أن هذا التفكير يقوم على ما يمكن تسميته الحتميات الخطية للتاريخ؛ أي الاعتقاد بأن مسار التاريخ يسير في خط واحد، وأن موازين القوة تفرض دائمًا اصطفافات قسرية لا يمكن تجاوزها. وهذا تصور تبنته بعض الفلسفات الحديثة التي حاولت تفسير التاريخ بوصفه مسارًا حتميًا متصاعدًا أو صراعًا دائمًا بين قوى محددة.

لكن النظر في القرآن الكريم وفي التجربة التاريخية الإسلامية يكشف أن حركة التاريخ أعقد بكثير من هذا التصور.

فالقرآن يقرر أن حركة الأمم تخضع لسنن متعددة، منها سنن التداول والتغير، كما في قوله تعالى:

﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (آل عمران: 140).

كما يقرر أن الظلم عامل حاسم في سقوط الدول وزوال الحضارات:

﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ (هود: 102).

وقال سبحانه:

﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين﴾ (الأنبياء: 11).

وفي ضوء هذه السنن القرآنية يظهر بوضوح أن التاريخ لا يتحرك وفق خط واحد، بل وفق شبكة من العوامل والقوانين الاجتماعية.

والتاريخ الإسلامي يقدم مثالًا واضحًا على ذلك.

فقد واجه المسلمون في صدر الإسلام قوتي العالم آنذاك: فارس والروم. ومع ذلك لم يكن خيارهم الاستراتيجي هو الارتماء في أحضان أحد الطرفين لمواجهة الآخر، رغم أن هذا كان منطق السياسة الدولية في ذلك الزمن.

بل إن المسلمين واجهوا الروم في مؤتة ثم في تبوك في وقت كانت فيه الإمبراطورية الرومانية في موقع القوة بعد انتصارها على الفرس. ولو كان التاريخ يسير وفق منطق الحتميات الخطية، لكان المتوقع أن تستغل تلك الإمبراطورية انتصارها لتكتسح الجزيرة العربية وتقضي على الدولة الناشئة.

لكن الذي حدث أن التاريخ سلك مسارًا مختلفًا تمامًا.

وذلك لأن حركة التاريخ لا تتحدد فقط بموازين القوة العسكرية، بل بعوامل أخرى:

قوة الفكرة، وتماسك المجتمع، وعدالة القضية، وطبيعة البنية الاجتماعية، وسنن التداول بين الأمم.

وهذا ما أدركه مبكرًا علماء الاجتماع في الحضارة الإسلامية مثل(ابن خلدون) ، حين تحدثوا عن سنن العمران البشري، وعن نشوء الدول وقوتها وضعفها، وعن أثر الظلم والترف والصراع الداخلي في سقوطها.

إن حصر الواقع في ثنائيات قسرية يختزل التاريخ اختزالًا مخلًا، ويغفل تعقيداته العميقة. كما أنه يدفع المجتمعات إلى خيارات قد لا تكون نابعة من مصالحها أو هويتها، بل من تصور ذهني ضيق للواقع.

وليس المقصود هنا تقرير خطة سياسية أو استراتيجية بعينها، وإنما التنبيه إلى خطأ قراءة التاريخ والواقع بمنطق الحتميات الخطية.

فالتاريخ حركة سننية مركبة، تتغير فيها الموازين، وتتبدل فيها مواقع القوة، وتظهر فيها قوى جديدة لم تكن محسوبة من قبل.

وتبقى القاعدة الكبرى التي أكدها القرآن والتجربة التاريخية معًا:

أن الظلم مؤذن بالخراب، وأن الأيام دول بين الناس.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى