
تقرير : الطابية
أثارت دعوة منظمة العفو الدولية إلى نشر قوات دولية لحماية المدنيين في السودان نقاشاً واسعاً حول جدوى هذا الخيار، وما إذا كان يمثل مدخلاً عملياً لإنقاذ المدنيين، أم أنه يتجاوز الأسباب الحقيقية للأزمة ويتعامل مع نتائجها فقط.
وتأتي الدعوة بعد أيام من إصدار المنظمة تحقيقاً وثقت فيه ارتكاب قوات الدعم السريع انتهاكات جسيمة في الفاشر، شملت – بحسب التقرير – القتل، والتهجير القسري، والتعذيب، والاغتصاب، والاستعباد الجنسي، والاضطهاد، وغيرها من الجرائم الخطيرة بحق المدنيين.
حماية المدنيين… مبدأ لا خلاف عليه
لا يختلف اثنان على أن حماية المدنيين تمثل أولوية إنسانية وقانونية، خصوصاً بعد اتساع دائرة انتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعـ م السـ ريع ووثقتها المنظمات الدولية في مختلف مناطق النزاع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يتحقق هذا الهدف بإرسال قوات دولية، أم بمعالجة الأسباب التي أنتجت هذه الجرائم وأبقت الحرب مستمرة؟
يرى مراقبون أن أي آلية لحماية المدنيين لن تحقق نتائج مستدامة إذا لم تقترن بخطوات تضع حداً لمسببات الحرب ومصادر استمرارها.
المفارقة أن منظمة العفو الدولية قدمت خلال العامين الماضيين سلسلة من التحقيقات التي نسبت إلى قوات الدعـ م السـ ريع ارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، خاصة في دارفور والفاشر.
وإذا كانت المنظمة قد توصلت، في تقاريرها، إلى هذا القدر من التوثيق، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا لا تركز المنظمة جهودها بصورة أكبر على الدفع نحو مساءلة مرتكبي تلك الانتهاكات، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات أكثر حزماً تجاه الأطراف التي يثبت تورطها في ارتكاب جرائم بحق المدنيين أو دعم استمرار النزاع؟.
معالجة النتائج أم معالجة الأسباب؟
الإشكالية الماثلة هي أن نشر قوات دولية، قبل معالجة جذور الأزمة، قد يحول السودان إلى ساحة جديدة لقوات حفظ سلام تواجه واقعاً معقداً دون تفويض واضح أو توافق سياسي.
كما أن تجارب عديدة في مناطق نزاع أخرى أظهرت أن القوات الدولية لا تنجح دائماً في منع الانتهاكات إذا استمرت بعض القوى الدولية في تقديم الدعم العسكري والمالي للطرف الذي يقترف الانتهاكات، واستمرت حالة الإفلات من العقاب.
ومن هذا المنطلق، فإن وقف الحرب بإبطال مصادر تأجيجها يظل الطريق الأكثر فاعلية لحماية المدنيين، لأنه يعالج السبب المباشر لاستمرار الانتهاكات، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة الحد من آثارها.
مسؤولية المجتمع الدولي
تعلم منظمة العفو الدولية، كما تعلم الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وكل المجتمع الدولي يعلم كذلك أن الأطراف الدولية التي تغذي جرائم وانتهاكات الدعـ م السـ ريع يقف نظام أبو ظبي الذي ثبت تورطه في دعم إطالة أمد الحرب من خلال استمراره في تقديم الدعم اللوجستي للمليشيا، ثبت ذلك من خلال تقارير دولية للجان تحقيق أممية ودولية!.. فإن المهنية والأخلاق يقتضيان أن تركز العفو الدولية جهودها في دفع المجتمع الدولي والمنظمة الأممية إلى تصنيف الدعـ م السـ ريع منظمة إرهابية، وإدانة الدول التي توفر لها الإسناد والتمويل.
المجتمع الدولي مطالب باتخاذ خطوات أكثر حسماً تجاه انتهاكات المليشيا وداعميها التي وثقتها المنظمات الحقوقية، عبر دعم آليات التحقيق والمساءلة، والضغط لوقف أي أشكال للدعم التي تسهم في إطالة أمد النزاع، والعمل على توفير بيئة سياسية تدفع نحو إنهاء الحرب.
كما أن نجاح أي جهود إنسانية يظل مرتبطاً بوجود إرادة دولية لمعالجة أسباب الصراع، وليس فقط إدارة تداعياته الإنسانية.
حماية المدنيين مسؤولية جماعية
لا شك أن المدنيين السودانيين بحاجة إلى حماية عاجلة، لكن هذه الحماية لا ينبغي أن تتحول إلى مسار منفصل عن معالجة جذور الأزمة.
فكلما استمرت الحرب المدعومة خارجياً، استمرت الانتهاكات، واستمر نزيف النزوح والجوع والانهيار الإنساني.
ولهذا، فإن الأولوية، ينبغي أن تكون في الدفع نحو إنهاء أسباب الحرب، وتعزيز المساءلة عن الجرائم الموثقة، وتجفيف مصادر استمرار النزاع، باعتبارها الخطوات التي توفر حماية دائمة للمدنيين، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات قد تخفف آثار الأزمة دون أن تنهيها، وفي نفس الوقت تصنع تعقيدات يصعب معالجة تداعياتها.



