كاتب ومقالمقالات

التسليع القسري للإنسان.. إلى أين ينتهي شذوذ المليشيا؟!

أحمد غباشي

الممارسات الشاذة التي ظلت مليشيا الدعم السريع تصدم بها المجتمع السوداني كل يوم، منذ بداية الحرب، حتى الآن، لم تكن تخطر في يوم الأيام على بال أهل السودان، ولم يكن أحد يتصور، مهما أوتي من سعة في الخيال، أن انتهاكات بهذا المستوى يمكن أن يكون مسرحها السودان، ولا في أسوأ الكوابيس!..

بل إن المواطن السوداني أصبح يعالج تعاطيه مع واقع المأساة الذي يعيشه في وجود هذه المليشيا، بنظرية (الكابوس).. فكلنا ينتظر متى نستيقظ على نهاية هذه الهلوسة غير المعقولة!!.

حادثة اختطاف “حافلة ركاب” قادمة من شندي في طريقها إلى قريتي (التكينة) و(أم مغد) بولاية الجزيرة، في منتصف أكتوبر الجاري، تلقي الضوء على جانب من الممارسات الشاذة لمليشيا الدعم السريع..

ونحن نتحدث هنا ظاهرة “تسليع الإنسان قسرياً”.. تلك الممارسة التي انفرد الدعم السريع بنموذجها الأسوأ، في السودان، مع أعلى قمة الهرم (الاختطاف وطلب الفدية المالية).. إلى أدنى درجة من درجات الهرم المتمثلة في الابتزاز من أجل فداء النفس على غرار ما يحدث في الارتكازات على طريق المسافرين ونقاط التفتيش.

ونضرب هنا الذكر صفحاً عن ما نقلته بعض المنظمات الحقوقية السودانية عن وجود أسواق للرق في بعض نواحي دارفور تباع فيها الفتيات السودانيات المختطفات، ونعرض عنه حتى يثبت ذلك بالدليل القاطع أو ينفى!!.

يقول الخبر، الذي كشفته منصة نداء الوسط، “إن المليشيا طالبت بفدية 13 مليون جنيه، نظير إطلاق سراح كل راكب”!!.

وواقع الأمر لم يكن هذا النوع من الممارسة أمراً طارئاً على المليشيا بعد الحرب، بل هي قد مارسته قبل الحرب وعلى مستوى دولي، وذلك عندما كانت قوة نظامية تضطلع بمهام مكافحة الهجرة غير الشرعية لصالح الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع قوات حفتر في ليبيا، فقد أثبتت التقارير تورط قوات الدعم السريع في تجارة البشر بالتعاون مع بعض المجموعات الليبية المسلحة التابعة لقوات خليفة حفتر، وتحديداً مليشيا (سبل السلام) المنتسبة للتيار المدخلي، باستغلال تكليفها بمكافحة الهجرة غير الشرعية في هذه التجارة القذرة.

وبعد أن أشعلت الدعم السريع حربها في السودان، وفرغت هي وعصاباتها الوافدة من اجتباء كل ما تسميه (غنائم)، من مقتنيات المواطنين ومملتكاتهم، حتى أسقف بيوتهم والأبواب والنوافذ، وحتى أواني الطبخ!!.. ناهيك عن السيارات والحلي والأجهزة الكهربائية والألكترونية وغيرها مما له قيمة.. لم يبق للمواطن السوداني إلا نفسه لتتخذها المليشيا سلعة تبيع فيها ولا تشتري!!.

في 15 أبريل الماضي أصدرت (مبادرة مفقود) التي تعمل في مجال حصر المفقودين من ضحايا حرب السودان، والبحث عنهم، أصدرت تقريراً قالت فيه “إن العديد من المواطنين اضطروا لدفع فدية، لإطلاق سراح أبنائهم المعتقلين لدى قوات الدعم السريع، ترواحت قيمتها ما بين ألف إلى أربعة آلاف دولار!!. وذكر التقرير أنه “في كثير من الحالات لم يتم إطلاق سراح الضحايا على الرغم من دفع عائلاتهم للفدية، وفي بعض الحالات أعيد الضحايا إلى عائلاتهم بعد أن فارقوا الحياة”!!.

وفي كل حي من أحياء المدن والقرى السودانية التي تسيطر عليها الدعم السريع، تجد عشرات الروايات المأساوية عن جرائم الخطف واحتجاز الرهائن من قبل المليشيا، والمطالبة بمبالغ فلكية من أجل إطلاق سراحهم..

في منطقة العشرة بالخرطوم، على سبيل المثال، احتجزت المليشيا، في يونيو من العام الماضي، أسرة كاملة، برجالها ونسائها وأطفالها، وطالبت بفدية مالية كبيرة، اضطر أقارب الأسرة لدفعها، لتغادر الأسرة الضحية بعد إطلاق سراحها إلى مكان آمن.

وفي يوليو الماضي، اقتحمت الميليشيا قرية حاج النور بمحلية جنوب الجزيرة، واعتقلت 16 شاباً من أبناء القرية، ورفضت إطلاق سراحهم إلا بعد دفع مقابل مادي قيمته 600 ألف جنيه سوداني عن كل فرد، وبعد تفاوض مضنٍ، قبلت المليشيا بالنزول إلى مبلغ 300 ألف جنيه مقابل كل فرد!!.

ومن أشهر الشخصيات السودانية التي تم تسليعها من قبل الدعم السريع، كان الصحفي السوداني علاء الدين أبو حربة، الذي اختطفته الدعم السريع من منزله بشرق النيل، في شهر أغسطس الماضي، وطالب الخاطفون بفدية قدرها مليون جنيه سوداني مقابل إطلاق سراحه، مهددين بتصفيته في حال عدم الدفع، وبعد تسلمهم المبلغ، ضاعفوا الفدية إلى مليوني جنيه!!.

المتقاعدون من أفراد الجيش والشرطة والقوات النظامية كانوا أول ضحايا علميات احتجاز الرهائن، رغم أن بعض هؤلاء ترك الخدمة لاكثر من 20 عاماً، ومع ذلك تحتجزه المليشيا حتى يتم فداؤه أو يزج به في المعتقلات الموحشة للدعم السريع، التي تفتقر إلى أدنى المعايير الإنسانية، وبعض المحتجزين لقوا حتفهم من الجوع وقلة الطعام، وبعضهم فقد بعض حواسه قبل أن يموت.

وهذه الفئة من الضحايا بالذات، يتم السمسرة عليها من قبل بعض الخونة وتجار الأزمات لقاء حفنة من المال، فدائماً هناك بعض ضعاف النفوس من أبناء المنطقة مستعدين للتطوع بالإبلاغ عن هؤلاء المساكين، وكثيراً ما يكون البلاغ كاذباً، ولكن عند المليشيا لا يهم كثيراً.. المهم هو أن تصل إلى مكان الاحتجاز بتهمة أنّك (بُلدة) أو كنت، وهذا المصطلح يتعارف أفراد المليشيا على إطلاقه على كل من له صلة بالقوات النظامية.. وسواء كنت بُلدة أم غير بُلدة، لن تخرج حتى تدفع (حق الطبلة)، ويعنى به ثمن فتح قفل السجن..

بعض مرتزقة المليشيا ممن اعتادوا السلب والنهب، اتجهوا بالكلية للاستثمار في هذا الجانب، فافتتحوا معتقلاتهم الخاصة، بمعنى أنهم يحوّلون أحد المنازل التي يستولون عليها إلى سجن خاص، وفي كل ليلة يجلبون أشخاصاً من الطريق العام، أو من الأسواق بتهمة أنهم (بُلدة) أو استخبارات جيش، أو متعاونون مع الجيش، إلى غير ذلك من التهم الجزاف، ثم يعرِّضونهم للتعذيب ويضربونهم ضرب التلف، وفي نهاية الأمر يطلبون منهم التواصل مع ذويهم وأقربائهم لتحويل الفدية اللازمة عبر تطبيق بنكك لقاء إطلاق سراحهم.

وفي أم درمان يعتبر العبور من مناطق سيطرة الدعم السريع، إلى مناطق الجيش، مثل محلية كرري، رحلة من العذاب الطويل، حيث يتعرض المواطنون العابرون إلى المناطق سيطرة أو القادمون منها، إلى أسوأ أنواع الترعيب والابتزاز وانتهاك الإنسانية بشكل غير أخلاق عند مرورهم بنقاط تفتيش المليشيا، وارتكازاتها، وما أكثرها!!.. فعلى مسافة مائة متر يمكن أن تمر بثلاثة ارتكازات!!..وفيها يتعرض الرجال والنساء على السواء للتهديد والوعيد، والتفتيش الدقيق التي يتضمن تحسس المناطق الحساسة من الجسم بلا حياء!!..وبعد ذلك يطلب منهم دفع مبالغ مالية للسماح لهم بالعبور.. ويكون المبلغ بحسب تقديرات هذا المليشي المرتكز والمتحكم في رقاب البشر.. ويتكرر المشهد في كل ارتكاز..كثيراً ما يُجرَّد المواطن من كل ما يحمل من مال قبل بلوغ مقصده!!.

إن ترسيخ هذا السلوك المنحرف، في انتهاك الآدمية، وتحويل الإنسان إلى بضاعة يجبى منها المال بدون اعتبار لكرامته وحرمة دمه وماله وعرضه، لهو أمر غريب على أعراف المجتمع السوداني، حتى في عرف المجرمين في هذا البلد، لم يعرف السودان قبل حرب حميدتي، جرائم الاختطاف وطلب الفدية.. رغم أن السودان مرّ بظواهر إجرامية كثير، آخرها كانت ظاهرة (تسعة طويلة).. ولكن الحرب التي أضرمتها الدعم السريع في السودان، كانت حرباً قذرة بكل المقاييس، فليس ثمّ أقذر من تعمُّد إطلاق المجرمين من السجون ليعثوا في الأرض بالفساد!!.. وليس ثَمّ أقذر من تفتح بلادك أمام المرتزقة والمجرمين وقطاع الطرق من خارج الحدود ليزحفوا إليها، ثم تطلق يدهم بالأمر المباشر ليرتعوا في أموال الناس وأعراضهم كيف شاؤوا!!..

ولهذا من الطبيعي في تركيبة مشوهة مثل هذه، أن يكون السلوك الإجرامي المركّب من المستوطن والوافد هو السائد وسط تلك المجاميع.. ولكن أخشى ما أخشاه، هو تتوطن هذه الظاهرة في السلوك الإجرامي السوداني حتى بعد ذهاب المليشيا وانتهاء فتنتها.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى