سياسةكاتب ومقالمقالات

بعد ستة عقود وست سنوات من الاستقلال … حمدوك ورفاقه ماذا صنعوا بالوطن

حسن عبد الحميد

يوم الأول من يناير 2022م تمر ستة عقود وست سنوات على استقلال السودان من نير الاحتلال البريطاني البغيض الذي جثم على أنفاس الوطن حوالي ستة عقود بعد أن قضى على الدولة المهدية بالأسلحة المحرمة دوليًا واستباح البلاد وحاول أن يغير هويتها ويبدل عقيدتها ويلحقها بالثقافة الغربية الغريبة والعلمانية الفاسدة
وكان المؤمل من رواد الاستقلال أن يرفعوا الراية التي سقطت منذ نهاية الدولة المهدية ويواصلوا من حيث وقف أسلافهم في الدولة المهدية الذين نصروا الدين ورفعوا راية الشريعة وأحيوا سنة الجهاد لكن الذي حدث أن رواد الاستقلال واصلوا في نفس طريق المحتل البغيض من حيث النظم والقوانين وهكذا ولد الاستقلال منقوصا من ناحية تحقيق الذات وترسيخ الاستقلال الحضاري بنبذ قوانين المحتل ونظمه
لكن مما يحمد لجيل الاستقلال ورواده إجلاء قوات المحتل من أرضنا وتطهيرها من دنسه ورجسه ومحاولة تحقيق قدر من الاستقلال في القرار السوداني لكن ذلك لم يكتمل عمليا من خلال التطورات السياسية اللاحقة
عمليا دخلت البلاد في نفق حكم عسكري بقيادة الفريق عبود في ١٧ نوفمبر ١٩٥٨م بعد عامين فقط من الاستقلال وهذا النظام العسكري أضاع ما ناله السودانيون من حريات ثم أطيح به أخيرا بثورة شعبية في ٢١ اكتوبر ١٩٦٤م وعادت فترة الحريات ولكن عادت معها الفوضى وممارسات الأحزاب غير المسئولة إلى أن أطيح بهذه الفترة بانقلاب عسكري أخرق نفذه الشيوعيون واليساريون في ٢٥مايو ١٩٦٩م بقيادة العقيد حينها جعفر نميري فدخلت البلاد نفق الحكم العسكري بكافة مساوئه وجرائمه لمدة ستة عشر عاما إلى أن أطيح به في ثورة شعبية مرة أخرى في ٦ أبريل ١٩٨٥م ودخلت البلاد مرة أخرى في فترة الحريات وفوضى الأحزاب إلى أن انقضى أجلها بانقلاب العميد حينها عمر البشير الذي استمر لثلاثين عاما إلى أن أطيح به في ثورة شعبية ثالثة في ١١ ابريل ٢٠١٩م وجاءت فترة انتقالية هي الأسوأ في تاريخ السودان كما سنبين لاحقا من هذا العرض السريع يتضخ أن الاستقلال الحقيقي لم يتحقق عمليا بسبب الانقلابات العسكرية وبسبب الفوضى الحزبية
نأتي للفترة الحالية التي وصفناها بأنها الأسوأ في تاريخ السودان بعد الاستقلال والتي حكم فيها حمدوك ورفاقه وإذا استثنينا الأربعة شهور الأولى التي حكم فيها المجلس العسكري الانتقالي منفردا ونفذ خلالها مجزرة فض الاعتصام فإن كل الفترة المتبقية مسئول عنها حمدوك باعتباره رئيسا للوزراء ومعه رفاقه في تحالف الحرية والتغيير باعتبارهم الحاضنة السياسية فماذا صنعوا بالوطن خلال فترة حكمهم التي امتدت عمليا لحوالي عامين وشهرين من أغسطس ٢٠١٩م إلى أكتوبر ٢٠٢١م
ونحاول هنا أن نختصر اختصارا بقدر ما يسمح به المجال ونركز على أهم القضايا والمسائل
أول ما يصادفنا في فترة حمدوك ورفاقه صياغة وتوقيع الوثيقة الدستورية المعيبة والمريبة التي حاولوا أن يجعلوا منها دستورا للفترة الانتقالية الوثيقة الدستورية أصلا هي اتفاق ثنائي وتحالف بين العسكر من جهة وتحالف الحرية والتغيير من جهة أخرى إذن هذا اتفاق ثنائي بين قوة عسكرية وقوى سياسية حتى لا يحاول أحد أن يزور التاريخ ويحرف الأحداث قبل أن يجف مداد الحوادث ويدعي أن قوى الحرية والتغيير لم تتفق مع العسكر ولم تتحالف معهم ثنائيا وهذا مجال واسع خاض فيه البعض في مزايدات هوجاء وعنتريات جوفاء وهو أمر ظاهر ظهور الشمس في رابعة النهار ولعل شعار (بكم قحاتة باعوا الدم) الذي ردده الشارع في المظاهرات الأخيرة يوضح بجلاء حصافة وذكاء الشارع السياسي السوداني وأن الأمور لا تنطلي عليه بالبساطة التي يتصورها البعض أمر آخر خطير تتصف به الوثيقة الدستورية المعيبة وهي أنها لم تنص على هوية البلاد ولا دين الدولة ولا لغتها وتركت كل ذلك متاحا للعبث الذي يمكن أن يلج منه العابثون بهوية البلاد ودينها وعقيدتها وثوابتها وهذا يضاف لما ذكرناه وما سنذكره بأن فترة حمدوك ورفاقه هي الأسوأ في تاريخ السودان الحديث منذ الاستقلال وحتى الآن
نمضي سريعًا لنرصد ماذا فعل حمدوك ورفاقه بالوطن ونحن نحيي ذكرى الاستقلال لقد مضى حمدوك ورفاقه من المدنيين والعسكريين وأقدموا على وصمة وزلة ليس من سبيل إلى إصلاحها وتصحيحها إلا بالتوبة عنها والتبرؤ من تداعياتها وتطوراتها وهي مسألة التطبيع مع العدو الصهيوني لقد ظلت مسألة الموقف من العدو الصهيوني من ثوابت السياسية السودانية على تقلب عهودها وأنظمتها وظلت حالة العداء للكيان الغاصب لفلسطين مما تجمع عليه كافة القوى السياسية بكافة أطيافها منذ الاستقلال وفجأة يقدم رئيس مجلس السيادة على لقاء رئيس وزراء الكيان الصهيوني ثم تمضي عجلة التطبيع ويتم تبادل الزيارات بين المسئولين السودانيين والمسئولين في الكيان الغاصب وينفتح المجال واسعا بين تل أبيب والخرطوم ولا يقولن اَأحد أن هذا مما أقدم عليه العساكر وأن حمدوك ورفاقه وحاضنته السياسية ليس لهم يد في ذلك فذلك مردود بما ورد في الأخبار بأن الأمر عرض على مجلس الوزراء فأجازه ومن ناحية أخرى بما وقعه وزير العدل وهو مدني من اتفاق أبراهام الذي يمهد الطريق للتطبيع وموافقة ومباركة حمدوك ومجلس وزرائه على ذلك
أمر آخر ظل مطروقا في وسائل الإعلام وتتناقله أحاديث السودانيين وهو أمر سيظل يمثل وصمة عار ما لم يأت تكذيب رسمي بالأدلة والبراهين على بطلانه ويتمثل في السؤال في من أين يتقاضى حمدوك راتبه الشهري أو بعضه وهل صحيح أنه يتقاضاه من الاتحاد الاوروبي أو من أي جهة خارجية غير حكومة السودان وإن صح ما تناقله الناس في السودان على نطاق واسع من أن حمدوك يتقاضى راتبه أو بعضه من أي جهة خارجية فهذا يطعن في استقلال البلاد ويصيب سيادتها وحرية قرارها في مقتل
تكثر المآسي المتعلقة برصد ما لم يتحقق من الاستقلال لكن نمضي سريعا الى اقتراح المخرج من هذه المآزق والمخرج في رأيي يتحقق بعدة أمور أهمها:
* ارتفاع القوى السياسية والعسكرية إلى مستوى التحدي ومتطلبات المرحلة وذلك بالتوافق على ميثاق سياسي ينقذ البلاد من الأزمة السياسية ويعالج الاحتقان السياسي ويحفظ ثوابت الأمة وممسكات الوحدة الوطنية
* قبول استقالة حمدوك فورا والاتفاق على رئيس وزراء جديد بمهام محددة وفترة زمنية متفق عليها
* إلغاء الوثيقة الدستورية المعيبة واستبدالها باتفاق سياسي جديد لا يتنهك ثوابت الأمة ولا يخالف عقيدتها ولا يعزل احدا ولا يميل نحو الإقصاء والهيمنة التي مارستها قوى الحرية والتغيير خلال فترة حكمها الأسوأ
* منع التدخلات الخارجية في الشان السوداني وضمان استقلالية القرار وحرية الاختيار وفق ثوابتنا ومصالحنا. إن مضينا باتجاه هذه المقترحات فالمؤمل أن نسلك الطريق الصحيح ونمضي في اتجاه تحقيق عزة الوطن وصيانة كرامة مواطنيه… وإلا فإن الفشل سيلاحقنا لا قدر الله مثلما لازمنا خلال فترة حكم حمدوك وحاضنته السياسية

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى