تقاريرسياسة

رهان حكومي على الوقود والذهب… كيف تُقرأ القرارات الاقتصادية الأخيرة؟

 

تقرير: الطابية

في خطوة تعكس اتجاهاً نحو تدخل حكومي أكبر في إدارة الاقتصاد خلال فترة الحرب، اتخذت السلطات السودانية بالأمس قرارين اقتصاديين بارزين؛ أولهما دخول الحكومة مباشرة في استيراد المشتقات البترولية، وثانيهما إجراء تعديلات واسعة على سياسات شراء وتصدير الذهب. ويبدو أن القرارين يشكلان جزءاً من محاولة متكاملة لمعالجة أزمتين مترابطتين: شح النقد الأجنبي وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

الحكومة تزاحم في سوق الوقود

أعلن مجلس الوزراء دخول الحكومة رسمياً في استيراد المشتقات البترولية، مع تكليف وزارات المالية والطاقة وبنك السودان والأجهزة المختصة بإنفاذ القرار.
وتأتي الخطوة في ظل اتهامات متكررة بوجود احتكار ومضاربات في سوق الوقود، إلى جانب مخاوف من تأثير تقلبات أسعار الطاقة العالمية على الاقتصاد السوداني.
وتراهن الحكومة على أن يؤدي التدخل المباشر إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
– ضمان وفرة المنتجات البترولية في الأسواق.
– الحد من الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
– تقليل الضغوط على سعر الصرف عبر ضبط الطلب على العملات الأجنبية.
ويرى مراقبون أن الوقود يمثل أحد أهم مفاتيح الاقتصاد السوداني، إذ يؤثر بصورة مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج الزراعي والصناعي وأسعار السلع الأساسية، وبالتالي فإن أي اضطراب في إمداداته ينعكس سريعاً على معدلات التضخم.

تحول عن سياسة التحرير:

يمثل القرار تحولاً نسبياً عن سياسة التحرير الاقتصادي التي طبقتها حكومة قحت المحلول، خلال سنوات حكمها واستمرت بعدها، وشملت رفع الدعم عنكل السلع الحيوية، بما فيها الوقود والدقيق، وأفسحت المجال للقطاع الخاص في استيراد السلع التي تعتبر جزءًا أساسياً في الأمن الاقتصادي.
ويعتقد بعض الاقتصاديين أن الحكومة تحاول استعادة زمام المبادرة في قطاع استراتيجي بعد أن أظهرت الحرب هشاشة سلاسل الإمداد وصعوبة ترك السوق بالكامل لآليات العرض والطلب في ظل الظروف الاستثنائية الحالية.
في المقابل، يرى آخرون أن نجاح الخطوة سيعتمد على قدرة الدولة على توفير التمويل اللازم وضمان الكفاءة التشغيلية، لأن مجرد دخول الحكومة إلى السوق لا يكفي وحده لمعالجة الاختلالات إذا لم تتوافر الموارد والإدارة الفعالة.

الذهب.. المورد الأهم للنقد الأجنبي

بالتوازي مع ملف الوقود، أعلن بنك السودان المركزي تعديلات جوهرية في سياسات شراء وتصدير الذهب، وهو القطاع الذي أصبح يمثل المصدر الأهم للعملات الأجنبية بعد تراجع الصادرات التقليدية نتيجة الحرب.
ومن أبرز التعديلات:
السماح باستخدام حصائل صادر الذهب الحر في الاستيراد مباشرة لصاحب الحصيلة.
إتاحة بيع حصائل الصادر للمصارف أو لبنك السودان.
إلزام بنك السودان بشراء كامل إنتاج شركات مخلفات التعدين.
تخفيض الحد الأدنى لعقود تصدير الذهب من 10 كيلوغرامات إلى كيلوغرام واحد فقط.
تعكس هذه الإجراءات محاولة لتحقيق توازن بين تشجيع المنتجين والمصدرين من جهة، وتعزيز قدرة الدولة على جذب حصائل الصادر إلى الجهاز المصرفي الرسمي من جهة أخرى.
فخفض الحد الأدنى للصادرات يفتح الباب أمام شريحة أكبر من المنتجين والمصدرين للمشاركة في عمليات التصدير النظامية، بينما يمنح السماح باستخدام الحصائل في الاستيراد حافزاً إضافياً لإدخال العائدات عبر القنوات الرسمية بدلاً من السوق الموازية.
كما أن شراء بنك السودان لإنتاج شركات مخلفات التعدين يهدف إلى زيادة احتياطيات الدولة من الذهب وتقليص حجم التداول خارج المنظومة الرسمية.

رؤية اقتصادية.. وفرص وتحديات

عند النظر إلى القرارين معاً، يتضح أنهما ينطلقان من هدف مشترك يتمثل في حماية استقرار سعر الصرف وتعزيز قدرة الدولة على إدارة الموارد الاستراتيجية.
فالوقود يمثل أكبر بنود الطلب على النقد الأجنبي، بينما يمثل الذهب أهم مصادر توفيره. ومن ثم فإن السيطرة على جانبي المعادلة – الاستهلاك والتوليد – تبدو جزءاً من استراتيجية اقتصادية جديدة تتبناها الحكومة في مواجهة ضغوط الحرب.
هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها فرصاً ومخاطر. من جهة، قد تنجح في كسر دائرة المضاربات إذا ما تمكنت الدولة من إدارة العمليتين بكفاءة وشفافية. ومن جهة أخرى، فإن احتكار الدولة لاستيراد الوقود وشراء ذهب المخلفات يثير تساؤلات حول الحوكمة ومدى قدرة الأجهزة الرسمية على تقديم أسعار تنافسية، وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى نشوء سوق سوداء موازية أكثر ضراوة.

بإعلاني الامس، تكون الحكومة السودانية قد راهنت على تدخل سيادي قوي في عنق الزجاجة الاقتصادية: الطاقة والنقد الأجنبي. الرسالة السياسية واضحة وتتمثل في استعادة السيطرة على أدوات الاقتصاد الكلي، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة أجهزة الدولة على إنفاذ هذه القرارات دون أن تتحول إلى أعباء مالية إضافية على خزينة مثقلة أصلاً، أو أن تتسبب في عزوف المنتجين والمستوردين عن السوق الرسمي. الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه “الخطوة الشجاعة والحاسمة”، كما وصفها الإعيسر، ستنعكس استقراراً في سعر الصرف ووفرة في الوقود، أم أنها ستدخل البلاد في متاهة احتكار حكومي جديد.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى