تقاريرسياسةمقالات

التقارب الروسي السوداني.. سباق الذهب والنفوذ؟!

الخرطوم: تقرير: عبد العزيز ضيف الله

أعادت تصريحات لبعض مديري شركات التنقيب عن الذهب في السودان، نفوا فيها ما رشح في وسائل الإعلام الغربية عن اعتماد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الذهب السوداني لتمويل حربه ضد أوكرانيا، أعادت إلى الواجهة الحديث حول التقارب الروسي السوداني، الذي حركته زيارة نائب رئيس مجالس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو حميدتي في بداية شهر مارس الجاري.

ونقل موقع العربي الجديد عن مدير سابق لإحدى الشركات العاملة في تعدين الذهب قوله “إن الحديث عن تمويل الحرب الروسية عبر الذهب السوداني المهرب غير منطقي، لافتا إلى أن إنتاج الذهب السوداني يتجاوز 250 طناً سنوياً”.

وعاد الحديث، الذي لم ينقطع يوماً، عن التقارب الروسي السوداني، في وقت يشتد الصراع بين روسيا والغرب، متخذاً أوكرانيا مدخلاً لحرب شاملة بين الدب الأحمر القديم والديوك الرومية الغربية.. وهو حديث يرفع عنوانين كبيرين، هما “ذهب السودان.. والمياه الدافئة في البحر الأحمر..وبالطبع فإن روسيا جددت الاتفاق الذي أبرمته منذ عهد الإنقاذ بشأن إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر والمياه الدافئة.. كما لم تترك حميدتي يغادر موسكو حتى يوقع على عدة اتفاقات مع شركات روسية منها ما هو عامل في التنقيب عن الذهب والمعادن. وبحسب مصادر مطلعة فإن الزيارة نفسها تمت بترتيب من شركات روسية، وورد في هذا الصدد اسم “مجموعة فاغنر” الأمنية.

الشركات الروسية.. ومجموعة فاغنر:

المهم في الأمر أن الإعلام الغربي، ركز بصورة كبيرة على هذين الموضوعين، بالتحديد ركز دور”مجموعة فاغنـر”؛ وهي شركة روسية أمنية مستقلة، ويرى الإعلام الغربي أن “فاغنر” هي على صلة في الخفاء بوزارة الدفاع الروسية، وهي أحدى الأذرع التي تستخدمها روسيا في مد نفوذها السياسي والاقتصادي داخل إفريقيا، خاصة أن الذي يديرها هو “فلاديمير أوتكين” ضابط الأمن السابق المقرّب من الرئيس فلاديمير بوتين.

وبحسب صحيفة لوموند الفرنسية فإن موسكو استطاعتمن خلال أنشطة هذه المجموعة الأمنية، على مدى خمس سنوات، ومن خلال توقيع اتفاقيات دفاعية، أن تجد لها موطئ قدم في العديد من الدول الأفريقية مثل مالي، وليبيا، والسودان، وموزمبيق، وأفريقيا الوسطى، حيث توفر حراسة أمنية خاصة لرئيسها.

ويتكلم الإعلام الغربي، عن نشاط لتلك الشركات في تهريب للذهب والماس ومعادن أخرى، من بلدان غرب أفريقيا بطائرات خاصة، عبر الأجواء السودانية إلى اللاذقية السورية ومنها إلى روسيا.. وأن من بين تلك الشركات؛ شركة “إم.إنفست المتخصّصة في المعادن، التي وقعت اتفاقيات مع وزارة المعادن السودانية عام 2017، حيث يتحدث الإعلام الغربي عن صلة تلك الشركة بمجموعة فاغنر، فهي مرتبطة ببريغوجين قائد مرتزقة فاغنر، وتعتمد على فرع محلي لها في السودان يدعى “مروي غولد” (Meroe Gold)..

وبحسب تقارير أمنية استقصائية غربية، فقد حصلت مجموعة فاغنر على تعاقدات مع الحكومة السودانية لتدريب عسكري لبعض الفصائل من “قوات الدعم السريع”، التي يقودها نائب رئيس مجلس السيادي “حميدتي”.

وتقول صحيفة التايمز البريطانية في 10 يناير/ كانون الثاني 2019، أنّ مرتزقة بسحنات قوقازية شوهدوا يشاركون في التصدّي للاحتجاجات التي تزايدت في الخرطوم أواخر عام 2018، كما ورد اسم شركة “فاغنر” في حادث قتل وقع الأسبوع الماضي، راح ضحيته 5 تجار سودانيين على يد جنود الشركة الذين قاموا بإحراق سوق على الحدود بين السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى.

الحملات الإعلامية الغربية أثارت، في كثير من الأحيان، أزمة دبلوماسية، دفعت السفراء والمسؤولين الروس إلى التدخل بتكرار التصريحات حول عدم وجود ارتباط بين روسيا الرسمية وشركات الحماية الأمنية.. ولا شك أن الحملات الإعلامية الغربية لها أهداف وأجندة سياسية، وهي مدفوعة بمحاولات صد التمدد الروسي في إفريقيا.. ولكن بالمقابل لا شك أن تلك الشركات ليست بريئة تماماً، مثلما أن روسيا ليست نظيفة النوايا، وأن كثير من المعلومات التي يلقي بها الإعلام الغربي لها حظ وافر من الحقيقة.. ولكن يبقى الإعلام هو أحد أدوات الصراع السياسي في العالم.

القاعدة الروسية على البحر الأحمر مصدر قلق أمريكي:

يعتبر اتفاق “القاعدة العسكرية الروسية على البحر الأحمر”، الذي تم توقيعه في أواخر عهد الرئيس البشير، يعتبر من أكثر الملفات إثارة للقلق لدى الساسة الغربيين، الذين نجحوا بالفعل بدفع الحكومة السودانية، في عهد هيمنة أحزاب “قحت”، إلى تجميد الاتفاق، بحجة مراجعته، ولكن زيارة “حميدتي” الأخيرة لروسيا أعادت الأمر مرة أخرى ليصبح أكثر إزعاجاً، بعد أن صرّح حميدتي لوسائل الإعلام بقوله “نحن مستعدون للتعاون مع أي دولة تريد بناء قاعدة على ساحلنا طالما تحقق مصالحنا ولا تهدد أمننا القومي، سواء كانت روسيا أو غيرها”..

وعلى الرغم من أن حميدتي نفى أن يكون قد بحث إحياء اتفاق القاعدة من الروس، إلا تصريحاته تلك جعلت القلق الأمريكي لا ينطفئ..خاصة أنه مكث في روسيا 8 أيام حسوما، الأمر الذي يجعل من المستبعد أن لا يطرح القادة الروس موضوع القاعدة البحرية.

وهذا ما دفع الدبلوماسي الأمريكي السابق كاميرون هدسون لأن يصف، بحسب صحيفة “ذا مونيتور” الأمريكية، إحياء اتفاق إنشاء القاعدة البحرية الروسية في البحر الأحمر بـ “بداية لحرب العطاءات”، وبـ “بداية المواجهة الروسية الغربية في إفريقيا”.

وبالعودة التاريخ القريب، نجد أنه في عام 2017، وقع الرئيس البشير اتفاقا مع روسيا لإنشاء قاعدة على البحر الأحمر، تستضيف سفنا روسية، بما في ذلك سفن تعمل بالوقود النووي، على أن يتمركز فيها 300 جندي.

لكن رئيس أركان الجيش السوداني محمد عثمان الحسين أعلن بمقابلة متلفزة في يونيو الماضي أن السودان بصدد مراجعة الاتفاق مع موسكو. وفسّر الأمر وقتها على أنه جاء نتيجة لضغوط المكون المدني على المكون العسكري في الحكومة، من أجل عيون الولايات المتحدة التي أعلنت آنذاك رفع السودان عن لائحة الدول الراعية للإرهاب.

ويتيح الاتفاق السابق لموسكو بناء إنشاء “مركز للدعم اللوجيستي” في بورتسودان حيث يمكن إجراء “عمليات الإصلاح وإعادة الإمداد”. كما يسمح الاتفاق للبحرية الروسية بالاحتفاظ بما يصل إلى أربع سفن في وقت واحد في القاعدة بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية.. وتقدم الحكومة السودانية الأرض مجاناً، وستحصل موسكو على الحق في جلب أي أسلحة وذخيرة وغيرها من المعدات التي تحتاجها عبر مطارات وموانئ السودان لدعم المنشأة، على أن تكون مدة الاتفاق 25 سنة، قابلة للتمديد 10 سنوات إضافية بموافقة الطرفين.

الجارة مصر على خط القلق:

ويبدو أن حديث حميدتي عقب عودته من موسكو عن القاعدة الروسية، قد جرًّ الاستياء، ليس للأمريكيين فحسب، بل المصريين أيضاً كان لهم أسباب للقلق من تلك التصريحات.

فبحسب مصادر نقلت عنها مجلة العربي الجديد، فإن المسؤولين في الجارة مصر فوجئوا بحديث حميدتي عقب وصوله إلى الخرطوم قادماً من موسكو، وإعلانه الترحيب بإقامة قاعدة عسكرية روسية على أراضي بلاده، وهو الأمر الذي كانت القاهرة قد أبدت اعتراضاً عليه في وقت سابق للمسؤولين في السودان، واعتبرته يمثل تهديداً لأمن البحر الأحمر.

وكشفت المصادر عن حالة استياء شديد وسط دوائر صناعة القرار في مصر، وأن المسؤولين اعتبروا أن حميدتي مارس نوعاً من التضليل عليهم، خلال زيارته الخاطفة للقاهرة، ولقائه رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل، حيث لم يتطرق خلالها إلى ملف القاعدة البحرية الروسية رغم ما طرأ عليه من مستجدات.

وتخشى مصر من إقامة أية قواعد أجنبية بالقرب من حدودها أو مناطق نفوذها ومصالحها، وتعتبر ذلك أمراً مرفوضاً بشكل مبدئي، بل أن هذا الملف كان أحد أبرز ملفات الخلاف مع الإمارات التي كانت وسيطاً في الاتفاق بين السودان وروسيا.

ماذا يريد السودان من روسيا:

لقد كانت رؤية الحكومة السوداني في عهد المخلوع عمر البشير واضحة بخصوص التقارب مع روسي، فقد كانت تريد حليفاً قوياً يمكنها من مجابهة التنمر الأمريكي بعقوباته وحصاره، وفي هذا السبيل حصلت من روسيا على التسليح الجيد لجيشها ومنظماتها الأمنية، وحصلت على الفيتو الروسي في بعض المواقف في المنظمة الدولية.

ولأن الحكومة التي جاءت بعد الإطاحة بعمر البشير، كانت غربية الهوى، فقد سارعت إلى إيصاد أي باب يغضب قبلتها “الولايات المتحدة” والحلفاء الأوربيين..

ولكن الأخيرة، التي يهيمن عليها العسكريين، حتى الآن هي مشتتة الولاء، فهي مع أمريكا وإسرائيل وحلفائهما العرب من جهة، ومع روسيا وتركيا وقطر من جهة أخرى.. غير أن مساندة إمريكا لـ “قحت” المعزولة، رغم أنها تقريباً أعطت العساكر الضوء الأخضر للانقلاب على حلفاءهم المدنيين في 25 اكتوبر!.. غير أنه من الواضح أن الأجندة الشخصية لبعض قيادات الدولة، والمصالح الخاصة، هي التي أدت إلى سوق البلاد إلى هذه الاتفاقات.. ولا يمنع ذلك سعيه للحصول لى الحماية.

هل سيمضي الاتفاق إلى نهايته، وبالتالي يكون السودان أحد مكونات حلف جديد آخذ في التشكل، أم سينتهي به الأمر كالمرة السابقة، فينتقض الغزل الذي غزله حميدتي كله، بعد أن يعود إلى بيت الطاعة الأمريكي.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى