تقاريرسياسة

معارك كردفان.. قراءة في إعلان الجيش وخارطة الميدان

تقرير: الطابية

 

لا تكمن أهمية إعلان القوات المسلحة استعادة 11 منطقة في شمال كردفان في عدد المواقع التي دخلتها القوات فحسب، وإنما في موقع هذه المناطق ضمن الخريطة الأوسع للمعارك التي تدور في الإقليم.

فالجيش، بعد أن استعاد، خلال الأسابيع الماضية، مواقع ومدناً رئيسية في شمال كردفان، يتحرك الآن غرباً في محاولة لتوسيع نطاق السيطرة حول الأبيض وقطع المسارات التي تربط مناطق كردفان بامتدادات دارفور.

وأعلنت القيادة العامة، اليوم الخميس، تحرير مناطق؛ كجمر، شرشار، البنية الكرينية، القليعات، أولاد حزمة، مقولدات، ريشان، القاعة، غابة اللقد، الكوكيتي، والمنطقة المحيطة بالمزروب، مؤكدة ملاحقة مليشيا الدعـ م السـ ريع حتى تخوم دارفور وتنفيذ عمليات تمشيط واسعة غرب الأبيض.

 

من تأمين الأبيض إلى فتح الطريق غرباً

 

لفهم دلالة التقدم الأخير، ينبغي وضعه في سياق التحولات التي شهدتها ولاية شمال كردفان منذ يوليو الماضي. فقد تمكن الجيش والقوات المتحالفة معه من استعادة أم سيالة وجبرة الشيخ وبارا، وهي مواقع مهمة في شمال الولاية، قبل أن تتوسع العمليات لاحقاً في الاتجاهات الغربية والجنوبية. وتشير تقارير ميدانية حديثة إلى أن الجيش بات يدفع بقواته غرباً من الأبيض وبارا وجبرة الشيخ، بالتزامن مع عمليات على محاور أخرى في جنوب كردفان.

وهذا التطور مهم لأن الأبيض ليست مجرد عاصمة ولاية؛ بل هي عقدة مواصلات وتجارية تربط وسط السودان بكردفان ودارفور. لذلك فإن تأمين محيطها الغربي والشمالي يعني تقليل قدرة المليشيا على الاقتراب منها أو إعادة بناء ضغط عسكري عليها.

ومن هذه الزاوية، فإن عمليات التمشيط التي أعلن عنها الجيش غرب الأبيض لا تبدو منفصلة عن استعادة المناطق الجديدة، بل تمثل جزءاً من محاولة إنشاء نطاق أمني أوسع حول المدينة.

 

شرشار والمزروب.. مفتاح الحركة غرباً

 

المواقع التي التي أعلن الجيش استعادتها، وعلى رأسها شرشار التي تقع إلى الشمال الغربي من بارا، مع مواقع أخرى على طرق تربط كردفان بدارفور، تكتسب أهمية خاصة في التطور الأخير، بسبب طبيعة المنطقة نفسها؛ التي تتميز بمساحات مفتوحة وطرق صحراوية ومسارات تستخدم للحركة ونقل الإمدادات بين كردفان ودارفور.

أما المزروب فيقع على محور العمليات المتجه غرباً، ولذلك فإن السيطرة على المناطق المحيطة به تمنح القوات المتقدمة مساحة أكبر للمناورة وتدفع الدعم السريع إلى التراجع بعيداً عن المراكز التي كانت تشكل نقاط ارتكاز له في شمال كردفان.

جاءت العمليات الحالية تأتي بعد أسابيع من ضربات جوية استهدفت مواقع للدعم السريع على امتداد طريق الأربعين الصحراوي الذي يربط مناطق كردفان ودارفور.

 

دلالة «حتى تخوم دارفور»

 

هذه العبارة الواردة في بيان الجيش هي الأكثر دلالة سياسياً وعسكرياً.. فإذا كان التقدم السابق قد استهدف تأمين الأبيض واستعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، فإن الوصول إلى تخوم دارفور يعني انتقال العمليات من مرحلة استعادة المواقع داخل شمال كردفان إلى محاولة الضغط على خطوط الحركة التي تصل مناطق سيطرة المليشيا في دارفور بالجبهة الكردفانية.

إقليم كردفان نفسه، له أهمية خاصة في الحرب الدائرة الآن، نسبة لتوسطه بين مناطق سيطرة الجيش في الوسط والشمال والشرق، ومناطق نفوذ المليشيا في دارفور. ولذلك فإن أي تغيير في ميزان القوى داخله ينعكس على ميزان القوى قدرة الطرفين على نقل القوات والإمدادات بين الوسط والغرب.

وفقًا لخارطة السيطرة في منتصف 2026 كانت المليشيا تحتفظ بمواقع في غرب وجنوب غرب شمال كردفان، مع تركيز خاص على المناطق المحيطة بالأبيض وطرق الاتصال باتجاه دارفور.. ولكن هذا الوضع انقلب رأسًا على عقب عقب تحركات الجيش وتقدمه الأخير.

 

انتصارات تكتيكية أم تحول في ميزان الميدان؟

 

صحيح أنه من المبكر التعامل مع استعادة 11 منطقة باعتبارها حسمًا لجبهة كردفان، فالمنطقة ما تزال تشهد معارك متحركة، كما أن الدعم السريع يحتفظ بقدرات عسكرية ومجالات نفوذ واسعة في دارفور وأجزاء من كردفان.. لكن التتابع الزمني للعمليات يعطي التطور أهمية أكبر من مجرد السيطرة على قرى ومواقع متفرقة.

فالجيش انتقل خلال فترة قصيرة من استعادة مواقع رئيسية في شمال كردفان إلى توسيع نطاق عملياته غرباً، فيما تحركت قواته وحلفاؤه على أكثر من محور، بما في ذلك محاور جنوب كردفان.

وأكدت تقارير الخميس السيطرة على الفرشاية والممسوكة في جنوب كردفان، وهما على الطريق الذي يربط الأبيض بالدلنج، بينما استُعيدت شرشار في شمال كردفان.

وهذا يعني أن العمليات لا تسير على محور واحد، وإنما تستهدف توسيع مساحة الحركة وإرباك تموضعات الخصم.

لكن الحرب لم تنتهِ في كردفان.

في مقابل هذا التقدم، تظل كردفان جبهة مفتوحة، ولا تزال هناك قدرة للدعـ م السـ ريع على المناورة والهجوم، بينما يشهد النيل الأزرق في الوقت نفسه تصعيداً جديداً مع تحالف الدعـ م السـ ريع والحركة الشعبية–شمال، ما يفرض على الجيش التعامل مع أكثر من جبهة في آن واحد.

ومع كل تلك الضغوط إلا أنه من الواضح أن الجيش يدرك تمامًا أن الاتجاه الذي يجب أن يمضي فيه هو الغرب! وأن قدرته على التقدم فيه وتثبيت المواقع المستعادة وتأمين طرق الإمداد ومنع الهجمات المعاكسة، وهو الذي يرجح ميزان القوة لصالحه.

 

تكشف خارطة العمليات الحالية اتجاهاً واضحاً، وهو أن الجيش يتحرك من الدفاع عن المراكز الكبرى إلى محاولة دفع خطوط المواجهة غرباً، وتضييق المساحات التي يمكن أن تتحرك عبرها المليشيا بين كردفان ودارفور.

وبهذا المعنى، فإن إعلان استعادة 11 منطقة يمثل حلقة جديدة في معركة أوسع على من يملك المبادرة في كردفان، ومن يتحكم في الطرق التي تصل وسط السودان بغربه. فإذا تمكن الجيش من تثبيت مكاسبه الأخيرة ومواصلة التقدم نحو المحاور المؤدية إلى دارفور، فقد تتغير طبيعة الجبهة من معركة دفاع عن الأبيض إلى معركة ضغط مباشر على العمق اللوجستي للمليشيا في الغرب.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى