اقتصادتقارير

إلى أي قاع يمضي الجنيه السوداني في رحلة السقوط؟

 

تقرير: أحمد غباشي

لم يعد تجاوز الدولار حاجز الثمانية آلاف جنيه مجرد رقم في نشرات الصرف، بل أصبح شهادة وفاة جديدة للجنيه السوداني. ففي غضون أيام، قفز سعر الدولار في السوق الموازية من 6,400 إلى أكثر من 8,600 جنيه، بينما ظلت الأسعار الرسمية للبنوك عند 4,231 جنيهاً، ليتسع الفارق بين السوقين إلى أكثر من 4,000 جنيه في الدولار الواحد. هذا الفارق الشاسع ليس مجرد مؤشر على أزمة صرف، بل هو إعلان صريح بانهيار العملة الوطنية، وتحول السوق الموازي إلى المرجع الحقيقي لتسعير كل شيء، من رغيف الخبز إلى لتر الوقود.
والسؤال الذي يفرض نفسه؛ ما هو سقف طيران الدولار؟.. وإلى أي قاع يمضي الجنيه؟ الإجابة تكمن في بنية الأزمة نفسها. فالجنيه لا ينهار فقط لأن المضاربين يريدون ذلك، بل لأنه لا يوجد ما يسنده. موارد النقد الأجنبي الرسمية لا تتجاوز 1.5 مليار دولار من صادرات الذهب، بينما فاتورة استيراد الوقود والقمح والدواء تفوق 3 مليارات دولار. هذه الفجوة التمويلية، التي تتفاقم كل يوم في ظروف الحرب، تخلق طلباً دائماً على الدولار يفوق المعروض، مما يدفع سعره إلى الارتفاع بلا سقف واضح.. وفي ظل توقف الإنتاج وغياب الصادرات النقدية، وتفاقم عمليات التهريب، عدم تحكم الدولة في الذهب، واستمرار سيطرة المليشيا على مناطق الإنتاج والتهريب، فإن الجنيه سيواصل رحلة السقوط نحو قيعان لا يعرف أحد أين تنتهي.

ماذا فعلت حكومة الأمل.. ولماذا فشلت؟

منذ توليها في مايو 2025، راهنت “حكومة الأمل” برئاسة كامل إدريس على حزمة من الإجراءات لانتشال الجنيه من الهاوية، منها؛ وقف استيراد 46 سلعة، ودخول الحكومة في استيراد الوقود، وسياسات جديدة في شراء وتصدير الذهب، وضخ كميات من النقد الأجنبي في البنوك، وأخيراً تشكيل خلية عاجلة لإدارة سعر الصرف.
لكن النتيجة، كما تظهر الأرقام، كانت عكسية تماماً. فقرار حظر السلع لم يخفف الطلب على النقد الأجنبي، بل خلق سوقاً موازية للسلع المحظورة، ودفع التجار إلى التهرب الضريبي، ورفع الأسعار بدلاً من خفضها. وكما قال رئيس الغرفة القومية للمستوردين الصادق جلال الدين، فإن “حظر السلع لا يعالج سعر الصرف بل يرفع الأسعار والتضخم ويقلل الإيرادات العامة”، وفي نهاية المطاف اضطرت الحكومة لتجاوز القرار. أما دخول الحكومة في استيراد الوقود، فقد اصطدم بنفس المشكلة؛ الحصول على الدولار من سوق موازية تسيطر عليها المضاربة.
والأخطر أن هذه الإجراءات لم تكن جديدة، بل كانت “إعادة إنتاج لتجارب سابقة أثبتت فشلها”، كما يقول المحلل الاقتصادي خالد التجاني، الذي يشير إلى أن فكرة “لجنة الطوارئ” طُبقت في عهد البشير، وخلال الحكومة الانتقالية، دون أن تحقق نتائج. المشكلة إذن ليست في الإجراءات نفسها، بل في غياب برنامج اقتصادي شامل يعالج جذور الأزمة: الحرب، وانهيار الإنتاج، وتهريب الثروات، وانعدام الثقة.

عن أي إنجازات كانت ستتحدث حكومة الأمل؟

في يونيو الماضي، وعد كامل إدريس بمفاجآت للمضاربين، وأعلن أن “ما يحدث من انخفاض مستمر في سعر الصرف يعتبر بداية مرحلة برنامج التعافي الاقتصادي”.. واليوم، عقب الانزلاق الأخير للجنيه وما تبعه من شلل في الحركة التجارية، أعلنت حكومة الأمل عن تأجيل مؤتمر صحفي كانت ستعقده اليوم للاحتفال بما وصفته بإنجازاتها الاقتصادية.. ماذا كانت الحكومة ستقول في مؤتمرها المؤجل؟ هل كانت ستتحدث عن جنيه فقد أكثر من نصف قيمته منذ توليها؟ أم عن تضخم تجاوز 50%؟ أم عن فجوة تمويلية تحرم الخزانة من 18 مليار دولار سنوياً بسبب تهريب الذهب؟.
الحقيقة أن الحكومة لا تملك إنجازات لتقدمها، فالإجراءات التي اتخذتها لم توقف الانهيار، بل ربما زادته سوءاً. والمؤتمر المؤجل ليس إلا اعترافاً ضمنياً بأن الخطاب الرسمي لم يعد مقنعاً حتى لمن يطلقه.

لماذا لا ينقذ الذهب الاقتصاد السوداني؟

السودان ينتج نحو 200 طن من الذهب سنوياً، لكن 90% من هذا الإنتاج يقع خارج القنوات الرسمية بسبب التهريب. ووزير المالية جبريل إبراهيم نفسه أقر بأن الحكومة حصرت 199 طناً بقيمة 26 مليار دولار، لكنها “لم تتمكن من ضمان دخوله إلى القنوات الرسمية للتصدير”، واصفاً الوضع بأنه “مخيف”.
المشكلة ليست في غياب الذهب، بل في غياب السيطرة عليه. فمناطق الإنتاج الرئيسية في دارفور وكردفان إما تحت سيطرة المليشيا، أو خارج نطاق الرقابة الحكومية الفعلية. وشبكات التهريب التي تنقل الذهب إلى الإمارات ومصر تعمل بلا رادع، لتحرم الخزانة من المليارات التي كان يمكن أن تسد الفجوة التمويلية وتدعم الجنيه.
وحتى لو تمكنت الحكومة من جذب بعض الذهب إلى القنوات الرسمية، فإن العائدات ستظل محدودة ما لم يتم وقف التهريب، واستعادة السيطرة على مناطق الإنتاج، وبناء علاقة تسويقية شفافة مع الأسواق العالمية. وبدون ذلك، سيبقى الذهب كنزاً منهوباً، لا طوق نجاة للاقتصاد.

جنيه بلا سند

تجاوز الدولار حاجز الثمانية ليس نهاية الأزمة، بل علامة على أننا في منتصف الطريق إلى قاع لا يعرف أحد أين ينتهي. وحكومة الأمل، التي وعدت بانتشال الجنيه من الهاوية، اكتشفت أن الهاوية أعمق مما تصورت. إجراءاتها، من حظر السلع إلى خلايا الطوارئ، كانت مسكنات لأزمة هيكلية لا علاج لها إلا بوقف الحرب، واستعادة السيطرة على الموارد، وبناء اقتصاد إنتاجي لا يعيش على الاستيراد.
إن المعركة الحقيقية التي يجب أن تخوضها الدولة لإنقاذ الاقتصاد السوداني هي معركة الإنتاج والسيطرة على الموارد، وخاصة الذهب!.. بأي كيفية وأي وسيلة يجب أن يحدث هذا الأمر، مهما كلف من ثمن، فقد أصبح مسألة حياة أو موت!..
قبل لحظات تحدثت مصادر صحفية عن اجتماع طارئ عقده البرهان مع رئيس الوزراء ووزراء القطاع الاقتصادي لبحث ومعالجة الأوضاع الاقتصادية في البلاد.. نأمل أن يكون الخبر صحيحاً وان تتعامل الدولة مع الأمر باعتباره مسألة أمن قومي، وتكون القرارات والإجراءات التي يتمخض عنها الاجتماع في مستوى إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية!.
السودان يواجه حربًا اقتصادية لا تقل شراسة عن حرب التمرد.. ويجب أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في حرب الجنيه والدولار كما تحملتها في حرب المليشيا.. وإلا سيبقى الجنيه في رحلة سقوط، وسيبقى السودانيون يدفعون الثمن من أرزاقهم وأحلامهم.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى