
تقرير: الطابية
في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأمنية في البحر الأحمر، ويزداد القلق الدولي من اضطراب أحد أهم الممرات التجارية في العالم، جاء الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد ووزيرة خارجية الحكومة اليمنية الشرعية أفراح عبد العزيز الزوبة ليؤكد أن أمن البحر الأحمر بات يحتل موقعاً متقدماً في أولويات السياسة الخارجية السودانية.
ورغم أن الطابع البروتوكولي للاتصال، جاء كتهنئة للوزيرة اليمنية بمناسبة توليها المنصب، إلا أن تعرضه لقضية “أمن البحر الأحمر” تحديدا وتركيزاً، يعكس إدراكاً متزايداً لدى البلدين بأن استقرار هذا الممر البحري لم يعد قضية تخص دولة بعينها، وإنما أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي، خاصة مع استمرار التهديدات التي تطال الملاحة في مضيق باب المندب.
السودان دولة مشاطئة بامتياز
يملك السودان أكثر من 700 كيلومتر من السواحل على البحر الأحمر، ويضم ميناء بورتسودان الذي تحول منذ اندلاع الحرب إلى العاصمة الإدارية المؤقتة ومركز النشاط الاقتصادي والدبلوماسي للدولة.
وتمنح هذه الجغرافيا السودان موقعاً يجعل أي ترتيبات أمنية في البحر الأحمر ناقصة إذا لم يكن جزءاً منها، إذ تمثل السواحل السودانية الامتداد الطبيعي للضفة الأفريقية للممر البحري الذي يربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي عبر قناة السويس وباب المندب.
ولهذا فإن أي تهديد للملاحة في جنوب البحر الأحمر لا ينعكس على اليمن والسعودية وحدهما، بل يمتد مباشرة إلى السودان، الذي تعتمد موانئه على انسياب التجارة الدولية وحركة الواردات والصادرات.
ومن الجهة المقابلة؛ تتجاوز أهمية السودان مجرد امتلاكه شريطاً ساحلياً طويلاً، فهو بجانب كونه بوابة الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، مركزاً لوجستياً مهماً عبر ميناء بورتسودان، يمثل نقطة وصل بين العالم العربي وشرق أفريقيا، وهو دولة مؤثرة في تأمين حركة التجارة والطاقة.. كما أن استقرار السودان يعني تقليص مخاطر تهريب السلاح والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة التي تستغل هشاشة الحدود والسواحل.
لماذا التنسيق مع اليمن؟
جاء الاتصال مع الحكومة اليمنية الشرعية، التي تتخذ من عدن عاصمة مؤقتة لها، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في باب المندب، حيث تتركز التهديدات التي تؤثر في الملاحة الدولية.
وأكد الوزيران أهمية تكثيف التنسيق بين الدول المشاطئة لحماية حرية الملاحة وتعزيز الأمن والاستقرار، وهي رسالة تعكس اتجاهاً نحو بناء رؤية مشتركة بين الدول المطلة على البحر الأحمر بدلاً من ترك إدارة أمنه للقوى الدولية وحدها.
كما يحمل الاتصال رسالة مفادها أن استقرار البحر الأحمر يبدأ بتنسيق الدول المطلة عليه، وليس فقط عبر التدخلات الخارجية.
السودان ينضم لتحالف أمن البحر الأحمر
ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع انضمام السودان إلى تحالف أمن البحر الأحمر الذي أعلنت المملكة العربية السعودية تأسيسه بمشاركة 13 دولة أخرى.
ويستهدف التحالف؛ تعزيز الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وحماية الملاحة الدولية وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة، وتبادل المعلومات والاستخبارات البحرية، والتخطيط العملياتي والتمارين العسكرية المشتركة، وبناء القدرات البحرية للدول الأعضاء، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات بحرية مشتركة لمواجهة التهديدات.
تعتقد الحكومة السودانية أن انضمامها للحلف الجديد ضروري لأن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية عسكرية فقط، بل أصبح قضية اقتصادية وأمنية ترتبط مباشرة بالأمن القومي السوداني.
لماذا يزداد الاهتمام بالبحر الأحمر؟
شهد البحر الأحمر خلال العامين الماضيين تصاعداً كبيراً في المخاطر الأمنية، مع تكرار الهجمات على السفن التجارية، وارتفاع تكاليف التأمين، وتحويل بعض شركات الملاحة مساراتها بعيداً عن باب المندب.
وتخشى دول المنطقة أن يتحول هذا الممر إلى ساحة صراع إقليمي دائم، بما يهدد التجارة العالمية ويؤثر على اقتصادات الدول المطلة عليه.
ومن هنا، أصبحت الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر أكثر ميلاً لبناء منظومة أمنية إقليمية تتولى حماية الممر بنفسها.
هل يخدم التحالف السودان؟
من الناحية الاستراتيجية، يبدو الانضمام إلى التحالف منسجماً مع المصالح السودانية. فالسودان يحتاج إلى؛ حماية موانئه من أي تهديدات، وتأمين خطوط التجارة التي يعتمد عليها الاقتصاد، ومكافحة تهريب السلاح والبشر عبر البحر الأحمر، كما يعتبر الانضمام فرصة تعزيز قدرات قواته البحرية والحصول على تعاون استخباراتي وتقني مع الدول الشريكة.
بالإضافة إلى أن استقرار البحر الأحمر يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة النشاط الاقتصادي في بورتسودان وجذب الاستثمارات إلى الموانئ السودانية مستقبلاً.
هل يصبح السودان جزءًا من محور ضد إيران؟
هنا تبرز إحدى أكثر النقاط حساسية، فالتحالف يركز رسمياً على حماية الملاحة والأمن البحري، ولا يعلن نفسه كتحالف موجه ضد دولة بعينها!.. غير أن الواقع الإقليمي يجعل كثيراً من التهديدات البحرية مرتبطة بالحوثيين المدعومين من إيران، خاصة بعد إعلانهم “حظر الملاحة في البحر الأحمر على السفن السعودية”!.
ومن ثم، قد يُنظر إلى التحالف باعتباره يصب عملياً في مواجهة النفوذ الإيراني في البحر الأحمر، حتى وإن لم يعلن ذلك صراحة.
ومن هنا ينشأ سؤال جوهري؛ هل من مصلحة السودان الدخول في مواجهة مع إيران؟.. في الظروف الحالية، تبدو مصلحة السودان في حماية أمنه البحري دون الانخراط في استقطابات إقليمية حادة. فالخرطوم تخوض حرباً داخلية تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية، ولا تبدو بحاجة إلى فتح جبهة سياسية أو أمنية جديدة مع أي طرف إقليمي.
لذلك، فإن مصلحة السودان تتمثل في المشاركة داخل التحالف باعتباره إطاراً للتعاون البحري والأمني وحماية الملاحة، لا باعتباره منصة للدخول في صراعات إقليمية أو تبني مواقف تصعيدية ضد إيران أو غيرها.
وبهذه الصيغة يستطيع السودان الاستفادة من التعاون الأمني والتقني والاستخباراتي، مع الحفاظ على مساحة من المرونة في علاقاته الخارجية.
أكثر من مجرد اتصال دبلوماسي
قد يبدو الاتصال بين الخرطوم وعدن حدثاً بروتوكولياً، لكنه يعكس في الواقع تحولاً أوسع في طريقة تعامل دول المنطقة مع أمن البحر الأحمر.
فالسودان لم يعد مجرد دولة مطلة على البحر، بل أصبح أحد مفاتيح استقرار هذا الممر الحيوي، بينما تدرك الحكومة اليمنية أن حماية باب المندب لا تنفصل عن أمن السواحل السودانية.
تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التنسيق العسكري والأمني بين الدول المشاطئة، لكن نجاح هذا الدور سيظل مرتبطاً قبل كل شيء بقدرة السودان على استعادة استقراره الداخلي، لأن الدولة المنشغلة بحربها يصعب عليها أداء دورها الكامل في حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



