تماسيح وعكارة وانخفاض مناسيب.. ماذا حمل “النيل في يوليو” من محن؟!

تقرير: الطابية
لم يكن شهر يوليو 2026 كأي شهر مضى على ضفاف النيل في السودان. فخلال أسابيع قليلة، تكالبت على سكان النهر ثلاث محن متداخلة، حولت الشريان الذي طالما كان مصدراً الحياة إلى مصدر للخوف والقلق والعطش. تماسيح تخرج من أعماقه لتفتك بالبشر، ومناسيب تنخفض فجأة لتكشف عن مساحات شاسعة من اليابسة وتعطل محطات المياه، ومياه ترتفع عكارتها إلى مستويات قياسية تهدد إمدادات الشرب.
هذه المحن الثلاث، وإن بدت متفرقة، إلا أنها في جوهرها ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً، وتكشف عن هشاشة الوضع الذي يعيشه السودانيون، حيث لم تعد الطبيعة وحدها هي المسؤولة، بل تضافرت معها عوامل أخرى لتجعل من يوليو شهراً استثنائياً في قسوته.
التماسيح تخرج من صمتها القاتل
في العاشر من يوليو، كان أحد المزارعين في جزيرة صاي بالولاية الشمالية يمارس عمله اليومي على ضفة النيل، دون أن يدري أن عيوناً كانت تراقبه من تحت الماء. في لحظة خاطفة، انقض عليه تمساح ضخم وسحبه إلى الأعماق، تاركاً خلفه صدمة ورعباً عمّ أرجاء الجزيرة.
بعد تسعة أيام فقط، تكرر المشهد في جزيرة السدرة جنوب مدينة بربر بولاية نهر النيل. شاب كان برفقة زملائه على ضفة النهر، هاجمه تمساح وسحبه إلى القاع. حاول رفاقه إنقاذه، لكن قوة التمساح كانت أكبر. واستمرت عمليات البحث عن جثمانه دون جدوى.
هاتان الحادثتان المميتتان لم تكونا الوحيدتين. فقد تحدث سكان عن مشاهدة تماسيح في مناطق متعددة على امتداد النهر، بما في ذلك أطراف العاصمة الخرطوم، وتداولت منصات التواصل مقاطع فيديو لتماسيح في مجرى النيل الأزرق بولاية الجزيرة، وفي منطقة قنيص بولاية النيل الأزرق. هذا الانتشار غير المعتاد دفع سلطات الدفاع المدني إلى إصدار تحذيرات عاجلة: ابتعدوا عن ضفاف النيل، تجنبوا السباحة، وأبلغوا فوراً عن أي ظهور للتماسيح.
ويرجح مختصون أن هذا الظهور المتزايد يعود إلى عدة عوامل: تغير مناسيب المياه الذي يدفع التماسيح للبحث عن موائل جديدة، واضطراب بيئاتها الطبيعية، وزيادة أعداد السكان الذين يعتمدون على النيل في الزراعة والصيد والاستخدامات المنزلية بسبب ظروف الحرب. بكلمات أبسط: الحرب دفعت الناس إلى النيل، والنيل فتح فكيه للناس.
النهر يبتعد عن ضفافه
تزامن رعب التماسيح مع انخفاض منسوب مياه النيل بشكل مفاجئ خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو. وسجلت محطات القياس في الروصيرص وود العيس وود مدني والخرطوم والحلفايا وشندي انخفاضاً واضحاً في المناسيب. وكشفت صور الأقمار الصناعية عن مساحات واسعة من اليابسة ظهرت فجأة على ضفاف النيل، خاصة في ولاية الخرطوم.
هذا الانخفاض، الذي أرجعته تقارير إلى تراجع التصريفات الواردة من إثيوبيا، تسبب في أزمة حقيقية. فمحطة مياه الصالحة خرجت عن الخدمة بسبب ابتعاد المياه عن مضخات السحب، وتأثرت محطة مياه بحري شمال نتيجة انخفاض المنسوب وتراكم الإطماء، وانخفض إنتاج بعض محطات مياه الشرب، مما أدى إلى اضطراب الإمداد المائي في أجزاء من العاصمة.
وأمام هذا الوضع الطارئ، أعلنت حكومة ولاية الخرطوم خطة طوارئ شملت إزالة الإطماء، وفتح مجرى مائي جديد، وتشغيل صهاريج المياه، وإعادة تموضع المضخات، وحفر آبار جوفية احتياطية. كما تضررت بعض المشاريع الزراعية في الولاية الشمالية بسبب ضعف وصول المياه إلى الطلمبات وقنوات الري.
وتصاعد الجدل حول أسباب هذا الانخفاض المفاجئ. فبين من ربطه بتشغيل سد النهضة الإثيوبي، ومن اعتبره جزءاً من التذبذب الطبيعي في بداية موسم الفيضان، ظل السودانيون يدفعون الثمن دون أن يعرفوا على وجه اليقين من المسؤول. وأعيد فتح ملف التنسيق بين السودان وإثيوبيا بشأن إدارة تدفقات المياه، في وقت لا تملك فيه الخرطوم أوراق ضغط كافية في ظل انشغالها بالحرب.
مياه الشرب تتحول إلى طين
قبل أن يفيق الناس من صدمة التماسيح وانخفاض مناسيب المياه، حمل النيل محنة ثالثة من نوع آخر؛ عكارة غير مسبوقة في مياه النيل الأزرق. فقد سجلت هيئة مياه الولاية ارتفاعاً قياسياً في العكارة بلغ نحو 2880 وحدة (NTU)، وهو من أعلى المستويات المسجلة على الإطلاق.
هذا الطوفان الطيني أربك محطات تنقية المياه وأوقعها في ضغوط تشغيلية هائلة. فكلما زادت العكارة، زاد استهلاك مواد التنقية، وزاد زمن المعالجة، وارتفعت التكلفة. والأسوأ من ذلك، أن العكارة المرتفعة قد تؤدي إلى انخفاض كفاءة المحطات وحدوث قطوعات في إمدادات المياه إذا تجاوزت الحدود التشغيلية.
وتأتي هذه الزيادة في العكارة مع بداية موسم الأمطار في الهضبة الإثيوبية، حيث تجرف السيول كميات هائلة من الطمي والرواسب إلى النيل الأزرق. كما يسهم تشغيل السدود والتغيرات في التصريفات المائية في زيادة تركيز الرواسب بالمياه.
وبينما تؤكد الجهات الفنية أن مياه الشرب تبقى صالحة للاستخدام بعد المعالجة، إلا أن التكلفة التشغيلية المتزايدة تبقى عبئاً إضافياً على دولة أنهكتها الحرب.
ثلاث محن وأصل واحد
انخفاض منسوب النيل هو الظاهرة المركزية والمحرك الأساسي لما حدث، وهو ناتج عن عاملين متداخلين: الدورة الموسمية الطبيعية للنيل الأزرق الذي لم يبلغ ذروة فيضانه بعد، وتراجع التصريف من سد النهضة الإثيوبي لأسباب تقنية مرتبطة بإدارة الخزان المائي ونقص الأمطار في الهضبة الإثيوبية.
هذا الانخفاض المفاجئ في المنسوب هو الذي تسبب، وفق قوانين الهيدرولوجيا والبيئة، في الظاهرتين الأخريين: ارتفاع العكارة نتيجة لتركز الطمي والرواسب في كمية المياه الأقل التي تجرفها أمطار يوليو من تربة إثيوبيا المتدهورة، وظهور التماسيح بكثافة لأن انحسار المياه دفعها للتركز في المساحات المائية المتبقية قرب الضفاف، بالتزامن مع موسم تكاثرها الذي يجعلها أكثر عدوانية، ومع تناقص فرائسها الطبيعية وتعدي البشر على موائلها.
بكلمات أبسط: النيل ضاق فازدحمت فيه الرواسب والتماسيح، واقتربت جميعها من البشر.
ظل النيل على مدى قرون مصدر الاستقرار والحياة في السودان، لكنه خلال يوليو 2026 تحول إلى عنوان لسلسلة من الأزمات المتزامنة.
وبين تماسيح التحمت بالبشر، وعكارة أثقلت كاهل محطات التنقية، ومناسيب أربكت إمدادات المياه، وجد المواطن نفسه يواجه تحديات جديدة تضاف إلى أعباء الحرب.
إنها أقدار الله تأتي في ثوب المحن، وربما تكون في طياتها المنح..وربما كانت هذه الأحداث تذكيراً بأن أمن السودان المائي لم يعد مرتبطاً بوفرة المياه وحدها، بل بقدرته على إدارة موارده الطبيعية، وتحديث بنيته التحتية، حتى لا تتحول الظواهر الموسمية مستقبلاً إلى أزمات تمس حياة ملايين المواطنين.



