
تقرير: الطابية
شهد محور ولاية النيل الأزرق خلال الأيام الماضية تطورات ميدانية متسارعة، تمثلت في تحقيق القوات المسلحة السودانية انتصارات مهمة وتقدم ملموس في عدة مناطق استراتيجية. حيث تمكن من استعادة منطقة مقجة الاستراتيجية بمحلية “باو”، كما تمكنت من صد هجوم كبير للمليشيا وحركة الحلو على منطقة “سالي” بمحلية” الكرمك”، ويأتي هذا التقرير لرصد أبرز هذه التطورات وتحليل دلالاتها العسكرية والميدانية.
تفاصيل العمليات العسكرية الأخيرة
أعلن الجيش السوداني في بيانات متتالية عن استعادة السيطرة على مواقع مهمة جنوب مدينة الدمازين. ففي العشرين من أبريل الجاري، نجحت قوات الفرقة الرابعة مشاه في استعادة السيطرة الكاملة على منطقة “مقجة” الواقعة بين الدمازين والكرمك، بعد معارك عنيفة أسفرت عن تدمير أربع مركبات قتالية وأسر عدد من عناصر الميليشيا المعادية .
كما أعلنت القوات المسلحة، أمس السبت 25 أبريل الجاري، صد هجوم لمليشيا الدعـ م السـ ريع على منطقة سالي بولاية النيل الأزرق.
وقالت في بيان: “دحرت الفرقة الرابعة مشاة للجيش والقوات المساندة لها هجوما على منطقة سالي بولاية النيل الأزرق”. وأضافت: “دمرت قواتنا 36 مركبة قتالية، وقتلت عددا كبيرا من المرتزقة.
وتشير المصادر إلى أن هذه العمليات تأتي ضمن جهد عسكري متواصل لتأمين المحور ومنع تقدم قوات الدعـ م السـ ريع والحركة الشعبية-شمال باتجاه الدمازين.
السياق الميداني: معركة كر وفر
يأتي هذا التقدم العسكري كرد فعل على هجوم واسع شنته قوات الدعم السريع بالتحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو منذ مطلع العام، والتي تمكنت في مارس الماضي من السيطرة على مدينة الكرمك الحدودية مع إثيوبيا، وهي ثالث أكبر مدن الولاية. وقد شكل سقوط الكرمك تهديداً مباشراً للدمازين عاصمة الولاية.
منذ ذلك الحين، تحول المحور إلى مسرح لعمليات كر وفر مستمرة، ففي الوقت الذي أكد فيه الجيش صده هجوماً على منطقة سالي، زعمت المليشيا أنها سيطرت على منطقة الشكيلي الواقعة على بعد 30 كيلومتراً شمالي مدينة الكرمك. وتعكس هذه التطورات طبيعة الوضع العسكري المتحرك، مع تصاعد في وتيرة استخدام الطائرات المسيرة في الاستهداف.
الدلالات العسكرية والاستراتيجية:
يحمل التقدم الأخير للجيش دلالتين مهمتين:
الأولى: تثبيت خطوط الدفاع الأمامية الدمازين؛ حيث تكتسب استعادة مقجة أهمية كبيرة لكونها تمثل إحدى نقاط الارتكاز الدفاعية على الطريق المؤدي من كرمك إلى الدمازين، أو خط إمداد رئيسي على الطريق الواصل بين المدينتين.
ويعكس صد الهجوم المضاد إصرار القيادة العسكرية في الدمازين على عدم السماح بتكرار سيناريو السقوط السريع الذي شهدته مناطق أخرى، والعمل على إبقاء قوات العدو بعيدة عن مركز الثقل السكاني والإداري للولاية.
والثانية: التحول من الدفاع إلى الهجوم؛ ويرى بعض المحللين أن بيان القوات المسلحة الصادر في 22 أبريل، والذي تحدث عن عمليات “حاسمة” وتدمير منصات طائرات مسيرة ومستودعات أسلحة، يعكس تحولاً مزمَعاً في الاستراتيجية القتالية من منطق إدارة الحرب إلى منطق استعادة السيطرة الشاملة، وذلك بالتزامن مع تقدم مماثل في محوري كردفان ودارفور .
دخول قوات “درع السودان” كعنصر دعم جديد:
من التطورات اللافتة التي رافقت هذه المعارك وصول قوات “درع السودان” بقيادة أبوعاقلة كيكل إلى مسرح العمليات، ودخولها إلى خط المواجهة.
وتحقق تلك الإضافة عدة أهداف:
1. تعزيز القدرات القتالية بقوات محلية في توقيت حرج، حيث تزامن وصول قوات “درع السودان” إلى الولاية مع استعادة “مقجة”، وهذا التوقيت يشير بوضوح إلى أن هذه القوات جاءت كإسناد مباشر للعمليات الهجومية التي ينفذها الجيش.
ويعكس هذا التحرك استراتيجية عسكرية تهدف إلى حشد قوات محلية لمساندة وحدات الجيش النظامية، وهي استراتيجية تم اختبارها في مناطق أخرى.
ويستفيد الجيش في هذا الصدد من خبرة فصيل منشق عن المليشيا، يفهم طريقة تفكيرها، استراتيجيتها الحربية، وله دراية بالمنطقة وتضاريسها.
2. محاولة مجابهة استراتيجية “شد الأطراف” التي تتبعها المليشيا من خلال فتح جبهات قتال متعددة في المناطق الطرفية مثل النيل الأزرق، لتشتيت قوات الجيش وإرهاقها ومنعها من تركيز قوتها في المعارك المركزية والحاسمة في كردفان ودارفور .
من خلال الدفع بـ “درع السودان” إلى هذا المحور تحديداً، يسعى الجيش إلى خلق قوة رديفة قادرة على تثبيت هذه الجبهة والقيام بعمليات تعرضية دون الحاجة إلى سحب وحدات نظامية رئيسية من الخطوط الأمامية الأخرى، مما يمثل محاولة لاستيعاب الهجوم وإفشال هدفه الاستراتيجي المتمثل في إرهاق القوات المسلحة.
3. إسناد السيطرة والتحول للهجوم المضاد:
يقوم الدور العسكري لهذه القوات ليس فقط على سد الثغرات الدفاعية، بل على المشاركة الفاعلة في استعادة الزخم الهجومي، وقد صرح قائدها أبو عاقلة كيكل، فور وصوله، بأنه سينهي وجود قوات المليشيا في الولاية.
باختصار، يمثل وصول “درع السودان” دلالة على أن الجيش السوداني يتبنى نهجاً أكثر مرونة في إدارة المعركة، ويعتمد على حلفائه المحليين ليس فقط للدفاع، بل ليكونوا رأس حربة في الهجمات المضادة لاستعادة المناطق التي فقدها مؤخراً.
بين الحسم الميداني والتحدي الإنساني:
ورغم أهمية أنه، على المستوى العملياتي، لا يزال خط التماس متغيراً، ولم يحقق أي من الطرفين حتى الآن اختراقاً استراتيجياً حاسماً ينهي المعركة في الولاية، إلَّا أن المعارك الجارية تُظهر أن الجيش قادر على استعادة مناطق مهمة، وتثبيت وجودها في مناطق أخرى لا تقل أهمية من ناحية ميدانية.
أما إنسانياً، فإن الثمن، الذي تسببت به المليشيا، ما زال باهظاً، حيث أدت العمليات العسكرية المتواصلة جنوبي وغربي الولاية في نزوح آلاف المدنيين نحو الدمازين، مما يضاعف الأعباء على مدينة تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة. وفي ظل استمرار حالة عدم الاستقرار، يظل الرهان الحقيقي ليس فقط على التقدم العسكري، بل على القدرة على تحويله إلى مشروع لاستعادة الأمن والاستقرار للمواطنين.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



