
تقرير: الطابية
في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، حملت طائرة رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى العاصمتين الرياض ومسقط في جولة دبلوماسية وصفتها أوساط سياسية بأنها “جولة الرسائل المتعددة”.
ففي الوقت الذي تواجه فيه منطقة الخليج توترات غير مسبوقة، بدأ واضحاً أن الرجل الأول في السلطة بالخرطوم لم يذهب ليطلب الدعم للسودان الذي يواجه حرباً وجودية فحسب، بل ليعلن وقوفه صفاً واحداً مع حلفائه في أوقات المحنة.
تضامن مع الأشقاء في الخليج في لحظة التصعيد
استهل البرهان جولته بزيارة إلى الرياض حيث التقى ولي العهد محمد بن سلمان، قبل أن يتوجه إلى مسقط للقاء السلطان هيثم بن طارق.
وجاءت الزيارة في أعقاب تصعيد إقليمي ضمن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، تمثل في هجمات استهدفت منشآت حيوية في دول خليجية، حيث عبّر السودان عن إدانته لتلك الهجمات، مؤكداً تضامنه مع أمن واستقرار دول المنطقة.
ويرى مراقبون أن الزيارة حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن الخرطوم تقف إلى جانب حلفائها في أوقات التوتر، في خطوة تعكس محاولة لكسر العزلة وتعزيز الحضور الإقليمي.. كما هي خطوة لنفي الارتباط بين الخرطوم وطهران، الذي تروج له الآلة الإعلامية الإماراتية.
مسار جدة يعود إلى الطاولة
إلى جانب البعد السياسي، ناقشت المباحثات جهود إحياء مسار التسوية، خاصة مبادرة محادثات جدة المشتركة.
وبحسب مصادر مطلعة، تطرقت اللقاءات إلى مقترحات لوقف إطلاق النار، وتأمين ممرات إنسانية، إضافة إلى بحث إمكانية التوصل إلى هدن محلية في مناطق تشهد اشتباكات.
وتشير التقديرات إلى أن هذه التحركات تأتي في أعقاب الموقف السعودي المشرف داخل مؤتمر برلين، حيث انسحب الوفد السعودي مما أدى إلى فشل المؤتمر.
ووفقاً لمجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، فإن نقاشات برلين التي استمرت لأكثر من سبع ساعات حول مسودة البيان الختامي انهارت في النهاية بسبب إصرار السعودية على تضمين لغة تؤكد على ضرورة الحفاظ على “مؤسسات الدولة” (State institutions)، وهو ما يشمل الجيش السوداني، في مقابل إصرار الإمارات على رفض المطلب السعودي، وفشل الوساطة الأمريكية في احتواء الخلاف أو إثناء السعودية عن موقفها.
وكشفت مصادر أن زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للسعودية جاءت استجابة لطلب من ولي العهد السعودي والرئيس المصري، لمناقشة خارطة طريق لوقف الحرب، بما في ذلك مقترحات لإنشاء ممرات إغاثة إنسانية والانتقال إلى هدن محلية في مدن مثل الفاشر والأبيض، عبر “منصة جدة” التي ترعاها الرياض مع واشنطن.
الأمن والاقتصاد.. ملفات حاضرة
لم تغب الملفات الاقتصادية عن أجندة الجولة، حيث ناقش الجانبان تأمين الممرات البحرية في البحر الأحمر، في ظل التوترات التي تهدد حركة التجارة الدولية.
كما برز ملف المساعدات الإنسانية، خاصة مع اعتماد السودان على الدعم القادم عبر الموانئ الإقليمية لتخفيف آثار الحرب.
مسقط.. وسيط محتمل
اكتسبت محطة مسقط أهمية خاصة، بالنظر إلى دور سلطنة عمان كوسيط إقليمي يتمتع بعلاقات متوازنة.
وأشاد البرهان بالدور العماني في دعم الحلول السلمية، في إشارة إلى إمكانية أن تلعب السلطنة دورًا في أي مسار تفاوضي مقبل، خاصة في ظل تعثر بعض المبادرات الأخرى.
رسائل إقليمية غير مباشرة
وفيما يلي الموقف السوداني من التصعيد في المنطقة، تحولت مسقط إلى محطة لتأكيد رسالة التضامن السوداني مع أمن دول الخليج، وهو موقف كانت قد أوضحته الخرطوم سابقاً في بياناتها الرسمية. هذا التوقيت أعطى للزيارة بعداً استراتيجياً يتجاوز الملف السوداني الداخلي.
دلالات الجولة
رغم غياب بيانات تفصيلية، إلا أن توقيت الجولة وطبيعة محطاتها يعكسان تحركاً دبلوماسياً نشطاً من جانب السودان لإعادة التموضع إقليمياً.
ففي لحظة تشهد فيها المنطقة تصعيداً غير مسبوق، سعت الخرطوم إلى تأكيد تضامنها مع حلفائها، وفي الوقت ذاته اختبار فرص جديدة لدفع مسار التسوية وإنهاء الحرب.
لم تكن الجولة خالية من الإشارات السياسية الداخلية والإقليمية. فبحسب تقارير، تحمل الزيارة رسالة غير مباشرة ضد النفوذ الإماراتي في الملف السوداني. فبينما تتخذ الخرطوم موقفاً حاسماً ضد أبوظبي الضالعة في إذكاء الحرب في السودان وإطالة أمدها بدعمها العسكري واللوجستي المباشر لمليشيا الدعـ م السـ ريع، تبرز الرياض كوسيط أكثر توازناً يحظى بقبول حكومي . ويرى مراقبون أن تثمين الخرطوم للدور السعودي هو محاولة لكسر هيمنة “المسارات الرباعية” التي ترى فيها نفوذاً إماراتياً كبيراً.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



