هروب رئيس “الإدارة المدنية” بجنوب دارفور.. صراع المال والنفوذ يضرب هياكل المليشيا

تقرير: الطابية
في مشهد يعكس تصاعد الاضطرابات داخل مناطق سيطرة المليشيا، أكدت مصادر متطابقة فرار يوسف إدريس، رئيس ما يُسمى بـ”الإدارة المدنية” في ولاية جنوب دارفور، إلى جنوب السودان، وسط أجواء مشحونة بالاتهامات بالخيانة وصراعات داخلية محتدمة.
عملية هروب مدروسة
غادر إدريس مدينة نيالا تحت جنح الليل في عملية وُصفت بأنها “منظمة”، متخذًا من نقاط عبور متعددة طريقه نحو الحدود مع جنوب السودان، بصحبة عدد محدود من المقربين. وسطت أنباء عن حمله مبالغ مالية ضخمة وسبائك ذهب يُرجّح أنها من منجم “سنقو”، إضافة إلى متحصلات جباية فُرضت على أنشطة التعدين خلال الفترة الأخيرة.
وتُعزز فرضية التخطيط المسبق للهروب، ما كُشف عن ترتيبات سابقة لتأمين خروج أسرته إلى الخارج، مما ينفي عن العملية طابع المفاجأة الكاملة، ويُرسّخ أنها جاءت تتويجًا لاستعدادات مدروسة بعناية.
خلفية الانهيار: خيانة وفساد وصراع نفوذ
تأتي هذه التطورات في أعقاب تسرّب معلومات عن توجه قيادة المليشيا لاعتقال إدريس، استنادًا إلى اتهامات جسيمة تتعلق بسوء إدارة المال العام واختفاء موارد مالية ضخمة، طالت عائدات الأسواق والأنشطة التجارية في مدينة نيالا.
وازداد المشهد تعقيدًا بفعل خلافات حادة نشبت بين إدريس وقيادات محلية داخل الإدارة المدنية، تركّزت بشكل خاص حول إدارة المخصصات الموجهة للخدمات، إلى جانب صراع نفوذ متصاعد بين المكونات القبلية والميدانية داخل المدينة.
وتشير المعطيات إلى أن هذه التوترات بلغت ذروتها عقب موجة إقالات داخلية واتهامات متبادلة بالفساد، ما أدخل هياكل الإدارة المدنية في حالة انقسام حاد أربكت عملها وأضعفت تماسكها.
يوسف إدريس.. وجه السلطة الموازية
برز يوسف إدريس خلال الحرب كأحد أبرز الوجوه المدنية الملتصقة بالهياكل الإدارية التي أقامتها مليشيا الدع-م الس-ريع في مناطق سيطرتها. وقُدّم آنذاك بصفته رئيسًا لما يسمى “الإدارة المدنية” في جنوب دارفور.
وفي العام الماضي سبق أن نجا يوسف إدريس من محاولة اغتيال في منطقة كتيلا “دار قمر” – جنوب نيالا- بعد استهداف موكبه والوفد المرافق له بمسيرة مما خلف عدداً من القتلى، واختلفت الآراء في مصدر الاستهداف، بين من يقول إنها غارة من طيران الجيش، ومن يقول إنها محاولة تصفية داخلية من قبل المليشيا وباءت بالفشل.
تداعيات فورية.. وتعقب للفار
بمجرد انكشاف عملية الهروب، سارعت قيادة المليشيا إلى تفعيل آليات التعقب، وسط أنباء عن اتصالات رفيعة مع سلطات جنوب السودان لتوقيف إدريس وتسليمه. كما بادرت القيادة إلى تكليف شخصية أخرى بتولي المهام بصفة مؤقتة، في محاولة لرأب الصدع واحتواء الفراغ الإداري الذي خلفه الرحيل المفاجئ للرجل.
دلالات متشعبة ومؤشرات خطيرة
يحمل فرار إدريس في طياته جملة من الدلالات العميقة، أبرزها:
· تصاعد الانقسامات الداخلية التي تنخر بنية الدعـ م السـ ريع
· هشاشة “الإدارات المدنية” التي نشأت في ظل الحرب وغياب الشرعية.
· احتدام المعارك الخفيَّة حول الموارد المالية في مناطق سيطرة المليشيا.
ولكن الحدث ليس معزولًا عن سياق أوسع، إذ يأتي في أعقاب سلسلة من الاعتقالات والتصفيات التي طالت مؤخرًا مسؤولين عسكريين ومدنيين تابعين للمليشيا في إقليم دارفور، مما يكرّس صورة بيئة سلطوية تغلب عليها الشكوك والصراعات الداخلية المدمرة.
لا يمثّل هروب يوسف إدريس مجرد حادثة عابرة، بل هو انعكاس صارخ لأزمة متجذرة تعصف بمنظومة الحكم المحلي التي أنشأتها في دارفور. وبين طاحونة الصراع على النفوذ والمال، تنكشف تصدعات متعاظمة تهدد بالعصغ بتلك الهياكل في المرحلة المقبلة، وقد تحمل في طياتها تداعيات تتجاوز نطاقها المحلي.



