
تقرير: الطابية
مع تصاعد الحرب على إيران وما تفرضه من توترات متزايدة في أسواق الطاقة العالمية، بدأت الأسئلة تتزايد داخل السودان حول مدى انعكاس هذه التطورات على الاقتصاد المحلي، خاصة في ما يتعلق بإمدادات الوقود وأسعاره. وتأتي هذه المخاوف في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني أصلاً من ضغوط الحرب الداخلية وتراجع الإنتاج وتدهور البنية الاقتصادية.
في هذا السياق أعلنت وزارة الطاقة والنفط السودانية المضي في تنفيذ برنامج لاستيراد الوقود بالتعاون مع شركات القطاعين العام والخاص لضمان توفير المنتجات البترولية في السوق، مع التأكيد على استعداد الحكومة للتدخل لسد أي فجوات محتملة في الإمدادات.
تطمينات رسمية… ومخاوف في السوق
رغم المخاوف المتصاعدة، حاولت الحكومة السودانية طمأنة الرأي العام. فقد أكد وزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم أن تأثير الحرب على إيران سيكون “محدوداً جداً” على السودان، مشيراً إلى أن الوزارة وضعت بدائل لضمان استمرار الإمدادات حتى نهاية أبريل وما بعده.
كما أوضح أن البترول متوفر حالياً، لكنه توقع في الوقت نفسه حدوث تذبذب تدريجي في أسعار المنتجات البترولية إذا استمرت الحرب، وهو ما يعكس إدراكاً رسمياً لحساسية التطورات في أسواق الطاقة العالمية.
غير أن هذه التطمينات لا تلغي حقيقة أن السودان يقف اليوم أمام اختبار اقتصادي صعب، إذ تتقاطع الضغوط الخارجية مع تحديات داخلية معقدة فرضتها الحرب، ما يجعل أي اضطراب في سوق الطاقة العالمي عاملاً إضافياً يمكن أن يفاقم الأوضاع المعيشية.
اقتصاد يعتمد على الوقود المستورد
يُعد السودان من الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المشتقات البترولية لتغطية احتياجاتها المحلية، خاصة بعد تراجع قدراته الإنتاجية خلال السنوات الماضية. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي ارتفاع في أسعار النفط العالمية أو زيادة في تكاليف الشحن والتأمين البحري ينعكس سريعاً على الاقتصاد المحلي، سواء عبر ارتفاع أسعار الوقود أو زيادة تكلفة السلع والخدمات.
وتكمن حساسية هذا الملف في أن الوقود لا يمثل مجرد سلعة استهلاكية، بل هو محرك رئيسي لمعظم القطاعات الاقتصادية، من النقل والزراعة إلى الصناعة والكهرباء. وبالتالي فإن أي ارتفاع في تكلفته ينعكس سريعاً على مستويات الأسعار والتضخم في السوق.
وتزداد خطورة هذه المعادلة في ظل الحرب الداخلية، التي أضعفت القدرة الإنتاجية للاقتصاد وأثرت على حركة التجارة والنقل بين الولايات.
تأثيرات غير مباشرة للحرب على إيران
حتى إذا لم تتأثر الإمدادات المباشرة للسودان، فإن استمرار الحرب على إيران قد يترك آثاراً اقتصادية غير مباشرة عبر عدة قنوات.
أول هذه القنوات يتمثل في احتمال ارتفاع أسعار النفط العالمية نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات في منطقة الخليج، التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
أما القناة الثانية فتتعلق بزيادة تكاليف النقل والتأمين البحري، إذ تؤدي التوترات العسكرية عادة إلى رفع كلفة الشحن في الممرات البحرية الحساسة.
كما أن اضطراب الأسواق العالمية قد يؤدي إلى تقلبات في أسعار العملات والطاقة، وهو ما يزيد الضغوط على الدول التي تعتمد على الاستيراد مثل السودان.
تداعيات محتملة على الداخل
إذا استمرت الحرب وارتفعت أسعار النفط، فقد يواجه الاقتصاد السوداني سلسلة من التأثيرات المتتالية، تبدأ بارتفاع أسعار الوقود، ثم تنتقل إلى قطاعات النقل والزراعة، قبل أن تنعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع الأساسية.
ومع ضعف القوة الشرائية للمواطنين وتراجع الإنتاج المحلي، فإن أي زيادة في تكاليف الطاقة قد تدفع معدلات التضخم إلى مستويات أعلى، وهو ما يهدد بتفاقم الأعباء المعيشية على السكان.
كما أن الحكومة نفسها قد تواجه ضغوطاً إضافية على مواردها المالية لتأمين احتياجات البلاد من الوقود.. هذا بجانب الصرف الحرب، وتكلفة إعادة الإعمار.
الحاجة إلى سياسات استباقية
في مثل هذه الظروف، لا يكفي التعويل على استقرار الأسواق العالمية، بل يصبح من الضروري تبني سياسات استباقية لإدارة ملف الطاقة وتقليل أثر الصدمات الخارجية.
ويأتي في مقدمة هذه التدابير العمل على تنويع مصادر استيراد الوقود وتوسيع الشراكات مع شركات القطاعين العام والخاص لضمان استمرارية الإمدادات، إلى جانب رفع مستوى المخزون الإستراتيجي من المشتقات البترولية بما يسمح بامتصاص أي صدمات مؤقتة في السوق العالمية. كما يظل ضبط الأسواق الداخلية ومنع المضاربات والتخزين غير المشروع عاملاً حاسماً في الحفاظ على استقرار الإمدادات والأسعار.
وعلى المدى الأوسع، تبرز الحاجة إلى تقليل هشاشة الاقتصاد السوداني أمام تقلبات أسواق الطاقة عبر إصلاح قطاع الطاقة وتعزيز الإنتاج المحلي وتحديث البنية التحتية للمصافي، فضلاً عن التوسع في مصادر الطاقة البديلة.
اختبار جديد للاقتصاد السوداني
في نهاية المطاف، قد لا تتحول الحرب على إيران إلى أزمة وقود مباشرة في السودان، لكن استمرار التوترات في أسواق الطاقة سيظل يمثل اختباراً لقدرة الاقتصاد السوداني على الصمود في ظل ظروف الحرب.
فالدروس المتكررة من الأزمات العالمية تشير إلى أن الدول الأكثر تأثراً بالاضطرابات الجيوسياسية هي تلك التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد دون امتلاك بدائل داخلية كافية، وهو ما يجعل بناء قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في قطاع الطاقة أحد التحديات الإستراتيجية للاقتصاد السوداني في المرحلة المقبلة، ويجعل إدارة ملف الطاقة في السودان خلال هذه المرحلة مسألة تتجاوز الاقتصاد إلى قضية استقرار وطني تمس حياة المواطنين اليومية.



