اقتصادتقارير

إلغاء احتكار الاستيراد.. هل يعالج الأزمة؟

 

تقرير: الطابية

 

عادت أزمة الوقود في السودان إلى مربع الاستيراد، لكن هذه المرة من بوابة أكثر تعقيداً؛ من يملك حق الاستيراد؟ وبأي سعر صرف؟ ومن يدفع في النهاية كلفة هذه المنظومة؟

فقد طالبت 24 شركة وطنية عاملة في استيراد وتوزيع المنتجات البترولية بإلغاء حصر الاستيراد في عدد محدود من الشركات، ومراجعة سعر الصرف المستخدم في تمويل الواردات، معتبرة أن النظام الحالي أضعف المنافسة وأدى إلى اختلالات كبيرة في تكلفة الوقود.

وبحسب المذكرة، فإن حصر الاستيراد سمح بهوامش ربح تصل، وفق تقديرات الشركات، إلى نحو 7 ملايين دولار للشحنة الواحدة، كما أدى اختلاف سعر الصرف المستخدم في تمويل الوقود عن سعر السوق إلى اتساع الفجوة بين التكلفة الفعلية والسعر الذي تتحمله القطاعات الاقتصادية.

 

أزمة لم تبدأ اليوم

 

أزمة الوقود الحالية ليست وليدة قرار واحد، ولا يمكن تفسيرها كلها باحتكار الاستيراد. فقد أدت الحرب إلى تعطيل وتدمير جزء كبير من البنية النفطية، وعلى رأسها مصفاة الجيلي، التي كانت توفر قبل الحرب نحو 70% من احتياجات السودان المحلية، ما جعل البلاد تعتمد بدرجة شبه كاملة على استيراد المنتجات البترولية.

ومع انتقال السودان إلى الاستيراد الكامل تقريباً، أصبح الوقود مرتبطاً مباشرة بالنقد الأجنبي. وكلما تراجع الجنيه وارتفع الطلب على الدولار، ارتفعت تكلفة الاستيراد، ثم انتقلت الزيادة إلى النقل والزراعة والصناعة والتعدين والخدمات.

وقد ظهر هذا الارتباط بوضوح في يونيو الماضي، عندما وصل الدولار في السوق الموازية إلى نحو 4700 جنيه، بالتزامن مع أزمة وقود حادة، وقالت السلطات إن الطلب على النقد الأجنبي لتمويل واردات الوقود كان أحد عوامل الضغط على العملة!.. وبالطبع بعد ذلك واصل الدولار ارتفاعه إلى مستويات عالية، تراوحت خلال هذا الأسبوع بين الـ 8250 – 8600 جنيه، وتفاقمت معه أزمة الوقود إلى الوضع الذي نراه اليوم، ولكن المفارقة هي إنكار الحكومة وجود الأزمة.

 

من فتح السوق إلى تضييقه

 

لم يكن خيار الدولة ثابتاً خلال الأزمة، ففي مارس 2026 أعلنت وزارة الطاقة برنامجاً لاستيراد الوقود بمشاركة 30 شركة خاصة موزعة على خمس مجموعات، مع استمرار شركات القطاع العام في التدخل لتغطية أي فجوات. وكانت الحكومة ترى أن التنظيم الجماعي للاستيراد يضمن انتظام الإمداد ويمنع الاضطراب في سوق الوقود.

لكن التجربة لم تمنع عودة الاختناقات. ففي يونيو، ومع تفاقم النقص وانهيار سعر الصرف، قررت الحكومة الانتقال إلى الاستيراد المباشر للدولة بهدف تنظيم السوق والسيطرة على الطلب على النقد الأجنبي. وأعيد كذلك تفعيل لجنة لتوحيد أسعار الوقود بين الولايات ومحطات الخدمة.

ثم اتخذ بنك السودان خطوة أخرى عندما اشترط على شركات استيراد الوقود إيداع 200 كيلوغرام من الذهب عيار 21 للحصول على شهادات الاستيراد، في محاولة لضمان وجود موارد حقيقية وراء عمليات الاستيراد والحد من الضغط على النقد الأجنبي.

هذه الإجراءات المتتابعة تكشف جوهر المشكلة: الدولة تنتقل من آلية إلى أخرى، لكن من دون معالجة جذور الاختلال في النقد الأجنبي، وآلية التسعير، وتعدد الوسطاء، والقدرة على ضمان إمداد مستقر.

 

هل المشكلة في الشركات أم في النظام؟

 

مذكرة الشركات الـ24 تطرح تفسيراً مختلفاً للأزمة. فهي ترى أن حصر الاستيراد في عدد محدود من الشركات يقلل المنافسة، ويخلق تفاوتاً في فرص الحصول على النقد الأجنبي، ويمنح المستفيدين من النظام الحالي هوامش ربح ضخمة.

وتقول الشركات إن الفارق بين سعر الصرف التفضيلي المستخدم في تمويل الاستيراد، والذي قدرته بنحو 5500 جنيه للدولار، وسعر السوق الموازية الذي تجاوز 8300 جنيه، يخلق حافزاً اقتصادياً كبيراً داخل عملية الاستيراد نفسها.

لكن فتح الاستيراد وحده لا يكفي. فإذا مُنحت عشرات الشركات حق الاستيراد من دون رقابة على التكلفة والهوامش والأسعار، فقد يتحول تعدد المستوردين إلى تعدد للمضاربين، لا إلى منافسة حقيقية.

لذلك فإن القضية ليست احتكاراً مقابل فوضى السوق، وإنما البحث عن نظام يضمن المنافسة من دون أن يفقد الدولة قدرتها على الرقابة على سلعة استراتيجية.

 

لماذا فشلت المعالجات المتكررة؟

 

تكمن المشكلة في أن معظم التدخلات تعاملت مع العرض باعتباره المشكلة الأساسية؛ استيراد شحنة، زيادة الشركات، منع بعض الشركات، استيراد حكومي، دعم العملة، ثم ضبط الأسعار.

لكن الوقود في السودان أصبح مشكلة اقتصاد كلي.. فالدولة تحتاج إلى الدولار لاستيراده، والدولار يتأثر بانخفاض الصادرات، وضعف الإنتاج، واتساع فجوة التجارة، وتمويل الواردات، والمضاربات.. وقد وثق البنك الدولي اتساع الفارق بين سعر الصرف الرسمي والموازي منذ اندلاع الحرب، مع زيادة الطلب على النقد الأجنبي لتمويل السلع الأساسية والوقود.

وبالتالي، فإن معالجة الوقود بمعزل عن أزمة العملة تشبه محاولة تخفيض حرارة المريض من دون علاج مصدر الحمى.

 

ما الحل؟

 

في الظروف الحالية، يبدو الحل الأكثر واقعية هو نظام استيراد تنافسي ومنظم، لا احتكار حكومي ولا سوقاً بلا ضوابط.

يفتح الاستيراد أمام جميع الشركات المؤهلة وفق شروط مالية وفنية معلنة، مع السماح للشركات ذات الملاءة بتمويل وارداتها من مواردها الذاتية، مقابل رقابة صارمة على مصدر الأموال والكميات والأسعار.

وفي المقابل، ينبغي أن يضع البنك المركزي آلية شفافة وموحدة لتخصيص النقد الأجنبي للوقود، وأن تكون أي ميزة في سعر الصرف مرتبطة بسعر نهائي معلن للمستهلك، لا بهامش ربح غير مراقب.

كما ينبغي فصل الاستيراد عن التوزيع والتسعير، وإلزام الشركات بالكشف عن تكلفة الشحنة والرسوم والنقل وهوامش الربح، مع نشر معادلة واضحة لتحديد سعر اللتر.

أما الدولة، فدورها ليس أن تصبح المستورد الوحيد، بل أن تكون المنظم والحارس للمنافسة والمخزون الاستراتيجي، وأن تتدخل عند فشل السوق أو حدوث نقص حاد.

والحل المستدام، في نهاية المطاف، هو استعادة الإنتاج والتكرير المحلي متى أمكن، وإصلاح البنية النفطية، وتنشيط الصادرات التي توفر النقد الأجنبي.

فأزمة الوقود لن يحلها مجرد تغيير أسماء المستوردين. المشكلة تبدأ من الدولار، وتمر عبر الاستيراد والتسعير، وتنتهي عند المواطن الذي يدفع كلفة كل حل مؤقت. وما لم تنتقل الدولة من إدارة أزمات الوقود إلى إدارة منظومة الوقود، فإن الصفوف ستتغير مواقعها، بينما تبقى الأزمة في مكانها.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى