
تقرير: الطابية
بعد سبع سنوات من حلها في مارس 2019، أصدر رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قراراً بإعادة المؤسسة السودانية للنفط إلى العمل، في خطوة قالت وزارة الطاقة والنفط إنها تأتي ضمن جهود إصلاح قطاع الطاقة، وتفعيل قانون الثروة النفطية.
القرار، الذي تزامن مع إعادة تشكيل مجلس النفط برئاسة رئيس مجلس السيادة وعضوية وزراء النفط والمالية والعدل ومدير جهاز المخابرات ورئيس جهاز الاستثمار الوطني ، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمثل هذا التحرك تصحيحاً لمسار مؤسسي انحرف منذ 2019، أم أنه إعادة ترتيب لمراكز القرار، وشكل من أشكال مركزة السلطات تحت مظلة مجلس السيادة؟
لماذا حُلّت المؤسسة في 2019؟
لفهم دلالات القرار، لا بد من العودة إلى التأسيس وسياق الحل، فقد تأسست المؤسسة السودانية للنفط بموجب قانون الثروة النفطية لعام 1998، بوصفها مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة، تضطلع بمهام استراتيجية في قطاع البترول.
وفي مارس 2019، أصدر رئيس الوزراء آنذاك محمد طاهر أيلا قراراً بحل المؤسسة السودانية للنفط وآلت جميع ممتلكاتها ووثائقها والعاملين بها إلى وزارة النفط والغاز . جاء القرار قبل شهر واحد من سقوط حكومة الإنقاذ، وفي خضم الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي انتهت بسقوط النظام في أبريل من نفس العام.
وقد وصف مراقبون القرار، في ذلك الوقت، بأنه جاء في إطار محاولة لإنهاء “الأجسام الموازية” التي كانت تعمل خارج رقابة وزارة المالية وقانون المراجع العام، وتخلق ازدواجية في التنفيذ وتخصص ميزانيات مفتوحة.
بمعنى آخر، لم يكن حل المؤسسة مجرد إجراء إداري، بل كان تعبيراً عن إرادة سياسية لتفكيك مراكز نفوذ اقتصادي وسياسي ارتبطت بها.
ماذا تعني العودة الآن؟
من الناحية الشكلية، قرار الإعادة يستند إلى قانون الثروة النفطية لعام 1998، الذي أنشأ المؤسسة كذراع سيادي لإدارة الثروة النفطية، يشمل الاستكشاف والإنتاج والتكرير والنقل والتسويق وتأمين المخزون الاستراتيجي . كما يعيد القرار تشكيل مجلس النفط، وهو الجهة العليا التي تشرف على المؤسسة، برئاسة البرهان نفسه.
لكن الدلالة الأعمق تتجاوز البعد القانوني. فالقرار يأتي في وقت يواجه فيه قطاع النفط السوداني تحديات وجودية: إنتاج محلي لا يتجاوز 22 ألف برميل يومياً ، وأزمة وقود حادة تشهدها المدن السودانية منذ أشهر، حيث يمضي السائقون ساعات طويلة في صفوف تمتد لأكثر من 12 ساعة . وفي هذا السياق، يبدو القرار وكأنه محاولة لاستعادة مركزية القرار النفطي، وجمع الصلاحيات المتفرقة بين وزارة النفط والشركات في قبضة المؤسسة السيادية، في إطار واحد.
هل يعالج القرار جذور الأزمة؟
يأتي القرار في وقت يواجه فيه قطاع النفط السوداني مشكلة كبيرة تتمثَّل في انعدام القدرة على الإنتاج والتكرير، وتدمير البنية التحتية بفعل الحرب، وتراجع الإمدادات. هذا بجانب أزمة ممتدة في الوقود، تتجلى في نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار وصعوبة تأمين احتياجات الولايات.
في السابق كانت المؤسسة مسؤولة عن استيراد المنتجات البترولية وتوزيعها محلياً، ما جعل حلها ينقل هذه الوظائف إلى الوزارة، ويعيد ترتيب العلاقة بين الجهة الحكومية المنظمة للقطاع والجهة التي تتولى جانباً من عملياته التجارية.
واليوم يمكن أن تسهم المؤسسة في تجميع الطلبات، وتنسيق الواردات، والتفاوض على عقود أكثر استقراراً، وبناء مخزون استراتيجي يخفف أثر تأخر الشحنات أو اضطراب الأسواق.
كما يمكن أن تساعد في تحسين التخطيط لتوزيع الوقود على النقل والزراعة والكهرباء والصناعة، بدلاً من الاعتماد على حلول طارئة تتغير مع كل أزمة.
ولا تبدو إعادة المؤسسة مجرد استعادة لهيكل إداري قديم؛ بل تعيد إلى الواجهة سؤالاً اقتصادياً أساسياً: كيف تُدار تجارة النفط في بلد تراجعت قدراته الإنتاجية، وأصبح استيراد الوقود فيه مرتبطاً بشح النقد الأجنبي وتعقيدات التمويل والتعاقد؟
وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن صعوبات التمويل والضمانات المصرفية وتأخر التعاقدات أعاقت جهود توفير الوقود، رغم تدخل مؤسسات حكومية متعددة. وهذا يعني أن إعادة المؤسسة قد توفر إطاراً أكثر وضوحاً لتجميع عمليات التعاقد والإمداد، لكنها لن تزيل هذه العقبات ما لم تُعالج أسبابها المالية والمصرفية.
هل الخطوة ذات دلالة سياسية أكثر منها اقتصادية؟
يثير التشكيل الجديد لمجلس النفط، برئاسة رئيس مجلس السيادة وضمه لمدير جهاز المخابرات، تساؤلات حول طبيعة الإدارة التي ستخضع لها المؤسسة، وما إذا كان القرار يمثل خطوة استباقية الهدف منها جمع الصلاحيات في القرارات المهمة في يد مؤسسة مجلس السيادة ورئيسه!
بمعنى آخر؛ هل ستكون مؤسسة فنية مستقلة، أم ستتحول إلى واجهة لمركزية القرار الأمني والسياسي في ملف الطاقة؟ كما كان الحال في التجربة السابقة، حين كانت المؤسسة تخضع لإشراف رئاسي مباشر.
كما يثير تعدد الجهات المشاركة سؤالاً حول توزيع الصلاحيات: هل ستتولى المؤسسة العمليات التجارية والتعاقدات والإمداد، بينما تركز الوزارة على التنظيم والسياسات الفنية؟ أم ستتداخل اختصاصاتهما، بما يضيف مستوى جديداً من الإجراءات إلى منظومة تعاني أصلاً بطء اتخاذ القرار؟
القرار بين الضرورة والتكرار
إعادة المؤسسة السودانية للنفط ليست قراراً خاطئاً في المبدأ. فوجود كيان مؤسسي متخصص يدير قطاعاً بهذه الحساسية قد يكون ضرورياً، خاصة في ظل الفوضى التي يعيشها القطاع.
غير أن نجاح الخطوة لن يُقاس بعودة الاسم أو صدور القرارات التنظيمية، بل بقدرتها على معالجة إشكاليات إنتاج النفط وإعادة بناء القطاع. بجانب معالجة مشكلات الإمدادا، تقليل الانقطاعات، وتحسين كلفة الاستيراد، ورفع شفافية العقود، وتكوين احتياطي استراتيجي، وتوضيح المسؤولية عن القرارات والنتائج.
وقبل ذلك، يعتمد النجاح على وجود إرادة حقيقية لمعالجة أزمة الطاقة من جذورها، لا مجرد تكتيك لتحقيق مكاسب سياسية. فالدولة التي تعيد إحياء مؤسسة بعد سبع سنوات من حلها، عليها أن تثبت أن ما تفعله هو تصحيح مسار، لا إعادة إنتاج لدورة فشل جديدة.



