تقاريرسياسة

عودة السودان إلى «هيبك».. فرصة ممكنة أم مسار شديد التعقيد؟

 

تقرير: الطابية

 

بحث وزيرا مالية السودان والسعودية، على هامش اجتماعات البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية بالدوحة، دعم استئناف مسار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون «هيبيك» (HIPC) مع صندوق النقد الدولي.

اللقاء، الذي جرى بحضور نائب محافظ بنك السودان المركزي، لم يكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث يعيش الاقتصاد السوداني واحدة من أخطر لحظاته، بينما لا يزال ملف الديون الخارجية، البالغة نحو 56 مليار دولار، معلقاً عند «نقطة القرار» التي بلغها السودان في يونيو 2021 دون أن يصل بعد إلى «نقطة الإنجاز».

 

لماذا تعثر المسار السابق؟

 

بدأت مساعي السودان للاستفادة من مبادرة “الهيبك” في عهد حكومة الإنقاذ منذ إطلاق المبادرة عام 1996 عبر تنفيذ برامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي، إلا أنها تعثرت وتوقفت تماماً بسبب العقوبات الأمريكية وإدراج البلاد على قائمة الإرهاب، وتراكم متأخرات الديون، والعزلة السياسية والحروب الداخلية، وصولاً لتداعيات انفصال الجنوب عام 2011.

وتجددت المساعي عقب انفصال الجنوب، وأُبرم اتفاق “الخيار الصفري” (Zero Option)، والذي أقرّ بأن يتحمل السودان كافة الديون الخارجية بشرط أن يسعى المجتمع الدولي لإعفائها عبر مبادرة الهيبك خلال عامين. لكن المجتمع الدولي حنث ولم يف بوعوده والتزاماته، ليتحمل الشمال عبء المديونية كاملاً بدون الموارد النفطية التي فقدها بنسبة 75%.

وبعد سقوط حكومة الإنقاذ، تمكنت الحكومة الانتقالية، بمساعدة الدول غربية، من الوصول لـ “نقطة القرار” في مبادرة «هيبك» في يونيو 2021، بعد تسوية متأخراته لصندوق النقد الدولي، وحصل على أهلية مبدئية لإعفاء ديون تتجاوز 56 مليار دولار، وكان التقدير أن ينخفض الدين الخارجي، بالقيمة الحالية، إلى نحو 6 مليارات دولار عند بلوغ نقطة الإنجاز النهائية.. إلا أن المسار توقف بالكامل مجدداً عقب قرارات أكتوبر 2021، بسبب موقف الدول الغربية منها، وتفاقم الجمود بتفجر حرب أبريل 2023.

لكن (نقطة القرار) لا تعني الإعفاء الكامل؛ إذ كان يتعين على السودان، حسب المبادرة، تنفيذ «محفزات» إضافية، أهمها تطبيق استراتيجية خفض الفقر لمدة عام، والحفاظ على أداء اقتصادي مرضٍ في إطار برنامج الصندوق.

 

هل الظروف الحالية أفضل؟

 

من ناحية، توجد عوامل إيجابية. فقد أصبح السودان يمتلك تجربة سابقة في التعامل مع الصندوق والبنك الدولي، كما أن استئناف «هيبك» يحظى بتأييد مؤسسات مالية دولية؛ فالبنك الدولي يرى أن العودة إلى المبادرة ضرورية لتوفير حيز مالي للاستثمار في القطاعات الإنتاجية.

كذلك تتيح المملكة العربية السعودية، بحكم وزنها المالي وعلاقاتها مع الدائنين، جسراً سياسياً ومالياً مهماً لإعادة فتح الملف.

لكن الظروف الاقتصادية والإنسانية أسوأ بكثير من عام 2021. فقد أدت الحرب منذ أبريل 2023 إلى انكماش الناتج المحلي بنحو 29.4% في 2023 و14% في 2024، مع انهيار الإيرادات الحكومية من 10% من الناتج المحلي عام 2022 إلى أقل من 5% في 2024.

كما تجاوزت الالتزامات الخارجية المتأخرة 60 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، بينما ازدادت الحاجة إلى تمويل إعادة الإعمار والخدمات الأساسية.

وتشير وثيقة لصندوق النقد الدولي في 2025 إلى أن احتمال بلوغ السودان نقطة الإنجاز قبل استحقاق خدمة دين للصندوق في ديسمبر 2026 كان غير مؤكد، وأن أي مساعدة انتقالية جديدة ستتطلب برنامجاً مدعوماً من الصندوق يسير على نحو مرضٍ. وهذا يجعل الموعد المالي المقبل عاملاً ضاغطاً، لكنه لا يحول دون تمديد المسار إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات المالية.

 

فرص المبادرة السعودية

 

تملك المبادرة السعودية فرصاً حقيقية، لكنها أقرب إلى «تسهيل المسار» منها إلى حل الأزمة منفردة. ويمكن للرياض أن تؤدي أربعة أدوار رئيسية:

تسوية أو إعادة جدولة مستحقاتها، بما يشجع الدائنين الثنائيين الآخرين على التعاون.

توفير ضمان أو تمويل جسري يساعد السودان على معالجة المتأخرات، وهي خطوة كانت حاسمة في المسار السابق.

استخدام علاقاتها مع صندوق النقد والبنك الدولي ونادي باريس والدائنين غير الأعضاء فيه لتنسيق موقف دولي موحد.

ربط الدعم المالي بإصلاحات مؤسسية، مثل توحيد سعر الصرف، وتحسين إدارة المال العام، وتعزيز الشفافية.

غير أن نجاح المبادرة يتوقف على قدرة السلطات السودانية على الالتزام ببرنامج موحد. فالمؤسسات الدولية لن تكتفي بالتعهدات السياسية، بل ستطلب بيانات مالية موثوقة، وإدارة شفافة للدين العام، وسياسة نقدية ومالية قابلة للقياس، فضلاً عن بيئة أمنية تسمح بتنفيذ إصلاحات ممتدة زمنياً.

 

التقدير النهائي

 

فرص عودة السودان إلى مسار «هيبك» اليوم موجودة، وربما تكون المبادرة السعودية أفضل مدخل متاح لإعادة إطلاق الاتصالات، لكنها ليست أكبر من العقبات السياسية والعسكرية.

ولكن العقدة تكمن نجاحها مرهون أولاً بتحقيق استقرار مستدام وتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي التي يفرضها البنك الدولي، مع ضمان تمويل جسري وتسوية منسقة للمتأخرات.

وثانياً قدرة الوسطاء على إقناع دول نادي باريس التي تتحكم في القرار النهائي بشأن الإعفاء، وهي النقطة الأكثر تعقيداً؛ خاصة مع وجود دول في النادي تتبنى مواقف متشددة ضد السودان مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

لذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس إعفاءً سريعاً للديون، بل مسار تدريجي يبدأ بإعادة التعاون الفني، وتحديث بيانات الدين، وإعداد برنامج اقتصادي جديد، ثم التفاوض على المتأخرات والضمانات. وإذا تحققت هذه الخطوات، فقد تتحول المبادرة السعودية من إعلان دبلوماسي إلى رافعة فعلية لإعادة السودان إلى النظام المالي الدولي.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى