
تقرير: الطابية
أعادت واقعة رفض الولايات المتحدة منح رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول لحضور الجلسة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أعادت إلى الأذهان النقاش حول سجل الولايات المتحدة مع المنظمة الدولية الحافل بتجاوز القرارات، وانتهاك القوانين والاتفاقيات، ومن بينها اتفاقية المقر لعام 1947، وسط صمت دولي مطبق يثير تساؤلات جوهرية حول مصداقية المنظمة الدولية وأدوات الضغط التي تمارسها القوى الكبرى عليها.
خرق صريح لاتفاقية المقر والقانون الدولي
ينص اتفاق المقر الموقع بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة عام 1947، وتحديداً البنود 11 و12 و13، على أن الأشخاص المدعوين رسمياً إلى مقر الأمم المتحدة “لا يجوز إعاقتهم في وصولهم إلى منطقة المقر، بغض النظر عن حالة العلاقات الثنائية بين الدولة المضيفة ودولهم”، وأن التأشيرات اللازمة “تُمنح في أسرع وقت ممكن”.
وقد اعتبر خبراء قانون دوليون أن ربط منح التأشيرة بشروط سياسية يمثل “ابتزازاً سياسياً” صيغت نصوص الاتفاقية عام 1947 لمنعه تحديداً.
لم تكتفِ واشنطن باحتجاز التأشيرة، بل دفعت الأمانة العامة للأمم المتحدة إلى حذف اسم البرهان من القائمة الرسمية للمتحدثين في الدورة الحادية والثمانين، وهو ما وصفه السودان بأنه “خرق لميثاق الأمم المتحدة واتفاقية المقر”. وكتب سفير السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، رسالة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش يطالبه فيها بالتدخل الفوري، مشيراً إلى أن اتفاقية المقر “تحظر على واشنطن وضع أي عوائق أمام وصول ممثلي الدول الأعضاء”.
سجل حافل وصمت دولي مطبق
الواقع أن ما حدث ليس حالة معزولة. ففي عام 2025، مُنع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس و80 من مسؤولي السلطة من الحصول على تأشيرات لدخول نيويورك. كما واجه دبلوماسيون روس وإيرانيون مشاكل مماثلة. وقد أبدت كوبا في مناقشات اللجنة السادسة للجمعية العامة رفضها “الاستخدام الانتقائي والتعسفي لاتفاقية المقر من قبل الدولة المضيفة”.
وقد وثّقت آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية، أكثر من مرة، انتهاكات واشنطن المتكررة لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ومنها استخدام القوة العسكرية دون تفويض مجلس الأمن في سبع دول، وتدخلات لتغيير أنظمة، وانقلابات تاريخية. وفرضت عقوبات أحادية قسرية على فنزويلا وإيران، شملت حصاراً بحرياً وتجميد نحو 7 مليارات دولار. وفي يناير 2026 انسحبت من 66 منظمة ومعاهدة، بينها 31 كياناً أممياً. كما استخدمت الفيتو مراراً لإحباط قرارات وقف النار في غزة رغم تأييد 14 من 15 عضواً، مما يقوض مجلس الأمن، ويعكس استهتاراً بالمنظمة الدولية وسيادة الدول الأعضاء، ويضعف مصداقية النظام الدولي القائم على القواعد.
يثير الصمت الدولي إزاء هذه الوقائع تساؤلات جوهرية:
لماذا تظل ردود الفعل على هذه الانتهاكات محصورة في بيانات احتجاجية ولم ترق إلى مستوى الإجراءات الملموسة؟.
لماذا لا تتحرك الأمانة العامة للأمم المتحدة بشكل حاسم ضد انتهاكات الدولة المضيفة؟ ولماذا لا ترفع الدول الأعضاء صوتها ضد هذا الاستهتار الصريح بالمنظمة الدولية؟ وهل تملك الأمم المتحدة فعلاً أدوات لإجبار واشنطن على احترام التزاماتها؟.
والواقع أن الأمم المتحدة لا تملك آلية تنفيذية لإجبار الدولة المضيفة على الامتثال!.. وربما يتساءل البعض لماذا لا تنتفض الأمم المتحدة لكرامتها وتلغي اتفاقية المقر طالما أن الانتهاك متكرر؟!.. ولكن الإجابة ببساطة أن نقل المقر خارج الولايات المتحدة يتطلب قراراً من الجمعية العامة، وهو أمر تواجهه عقبات سياسية ومالية هائلة. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تملك واشنطن أدوات ضغط على المنظمة الدولية تجعلها تتجنب المواجهة؟
أدوات الضغط الأمريكية: التمويل والفيتو والتأشيرات
تمارس الولايات المتحدة نفوذاً متعدد الأوجه على الأمم المتحدة. فهي أكبر مساهم في الميزانية الأممية، وتستضيف المقر الرئيسي، وتمتلك حق النقض في مجلس الأمن.
وقد استخدمت واشنطن هذه الأدوات مجتمعة لعرقلة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بغزة، حيث استخدمت الفيتو ضد قرارات وقف إطلاق النار رغم تأييد 14 عضواً من أصل 15. كما استخدمت التأشيرات ذاتها كأداة ضغط على وفود فلسطينية وإيرانية وسودانية.
والأمر الأخطر أن مسألة التأشيرات تتحول من إجراء إداري روتيني إلى “ورقة ضغط سياسية” تُستخدم بدرجات متفاوتة بحق وفود بعينها، عبر آليات تشمل حجب تأشيرات الخبراء والمستشارين بدل استهداف رؤساء الدول مباشرة، والمماطلة الزمنية حتى اللحظات الأخيرة.
وتُعد هذه الممارسات، بحسب مراقبين، “عملاً ذا حمولة سياسية يقوض المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء”.
الأمم المتحدة.. بين العجز وتآكل المصداقية
تعيش الأمم المتحدة حالة من العجز المزمن. فمجلس الأمن شبه مشلول بفعل الفيتو، والجمعية العامة تصدر قرارات غير ملزمة، والأمانة العامة تكتفي ببيانات “القلق البالغ”. وقد أبدى الأمين العام غوتيريش “قلقه البالغ” إزاء عدم إصدار التأشيرة، وقال المتحدث باسمه إن الأمم المتحدة تنتظر من الدولة المضيفة “إصدار التأشيرات لكل من يحتاج إلى المشاركة في أنشطة الأمم المتحدة”.. لكن هذا “القلق” لم يمنع حذف اسم البرهان من قائمة المتحدثين.
هذا العجز ليس وليد اليوم، فقد بلغ عدد مشاريع القرارات التي فشلت بسبب الفيتو في مجلس الأمن سبعة، وهو أعلى رقم منذ عام 1986. ولم يعد الفيتو مجرد أداة دستورية، بل تحول إلى “درع يحمي المصالح الأنانية” للقوى الكبرى مما أفقد المنظمة قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها في حفظ السلم والأمن الدوليين.
وفي مواجهة هذا المشهد، يطرح السؤال نفسه: إذا كانت الولايات المتحدة تخرق اتفاقية المقر دون رادع، وتستخدم التأشيرات سلاحاً سياسياً، وتحول مجلس الأمن إلى أداة شللٍ ذاتي، فما الجدوى المتبقية من عضوية الأمم المتحدة؟ وكيف يمكن لمنظمة أُنشئت لحماية القانون الدولي أن تبقى ذات مصداقية بينما نصوص ميثاقها الأساسي تُنتهك علناً، دون أي إجراء عقابي، ودون حتى مساءلة؟
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



