سياسةمقالات

ندوة حمدوك في واشنطن.. حين تصفع “الديمقراطية” من يمارسها!

 

أحمد غباشي

 

في واشنطن، عاصمة الديمقراطية العالمية كما يحلو للبعض تسميتها، كان عبد الله حمدوك زعيم صمود المدنية يتحدث في ندوة “عن السلام والتحول الديمقراطي.. وكان المتحدثون، داخل القاعة المكيفة، يتناوبون على المنصة، يشرحون للسامعين كيف يجب أن يكون السودان الجديد، ديمقراطياً، تعدديّاً، يتسع للجميع!

ثم تقدم للمداخلة شاب سوداني فهتف: “جيش واحد.. شعب واحد”.. هتاف بسيط، لا يحمل شتيمة ولا تجريحاً، ولا يدعو إلى قتل أو إقصاء!.. مجرد رؤية لوحدة الجيش والشعب..

لكن رد الفعل، لم يكن صادماً! بل متوقعًا تمامًا من شلة الأفاقين والكذابين وروَّاد الحانات في الـ (باك ستريتس).. اعتداء جسدي على الشاب، وإخراج بالقوة، ومشهد يذكرك بأن “الديمقراطية المزعومة” عند البعض لا تعني شيئاً إذا خرج صوت مختلف عن النص المكتوب.

السؤال الأول الذي يفرض نفسه: هل يملك أصحاب مشروع الديمقراطية ما يكفي من الثقة ليسمعوا خصمهم حتى النهاية؟.. أليست ديمقراطيتهم هي ثقافة الاعتراف بالآخر قبل أن تكون صناديق اقتراع؟.. أليست تعني، كما تزعم ن الاستماع للرأي المخالف، والرد عليه بالحجة لا باليد؟.. من يعتدي على شاب هتف بشعار وحدوي، لا يختلف كثيراً عن الذين اعتدوا على المتظاهرين السلميين في شوارع السودان! الفرق فقط في المكان.. هناك في الخرطوم، وهنا في واشنطن. لكن الأسلوب واحد.. إذا لم يعجبك الصوت، أسكته!

السؤال الأهم: هل تحالف “صمود” مستعد لسماع السودان الحقيقي؟.. السودان الحقيقي ليس هو السودان الذي تراه “صمود” في مرايا واشنطن وأبوظبي.. السودان الحقيقي هو الذي عاش الحرب، ورأى المليشيا تقتل أبناءه، ويدرك أن هتاف “جيش واحد شعب واحد” ليس مجرد شعار، بل هو خلاصة تجربة مريرة؛ إذا انهار الجيش، لا توجد دولة، وإذا تفتت الدولة، لا يوجد شعب.. “صمود” التي تتحدث عن التحول الديمقراطي، ترفض الاعتراف بأن الجيش هو الضمانة الوحيدة لبقاء الدولة السودانية.. لماذا؟ لأن قبولها بجيش وطني موحد يعني إغلاق الباب أمام مشروعها الذي يقوم على تفكيك الدولة وإعادة تركيبها وفق رؤية خارجية.

وهذا يوضح؛ لماذا ترفض “صمود” و”الجنجاقحت” أي تسوية تحافظ على الجيش كمؤسسة وطنية موحدة؟ الإجابة بسيطة: لأن الجيش الموحد هو العقبة الوحيدة أمام تحويل السودان إلى كانتونات ومحميات.

المليشيا تريد تفكيك الجيش لتحل محله.. و”صمود” تريد إضعاف الجيش لتصبح هي البديل السياسي. كلاهما يرى في الجيش الوطني عدواً، لأن الجيش الوطني لا يقبل أن يكون تابعاً لأجندة خارجية.

والأمر الأكثر إثارة للسخرية هو وجود حمدوك في قلب الواقعة، بلا ردة فعل عقلانية!.. الرجل الذي يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، صمت بينما يُعتدى على شاب أمام عينيه!.. لم يقف، ولم يستنكر، ولم يطلب من أنصاره التوقف!.. هذا الصمت ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل هو أكبر دليل على هزال حمدوك القيمي والمبدئي. الرجل الذي يتحدث عن السلام، عجز عن حماية شاب سوداني في ندوة عن السلام، فكيف سيحمي السودان كله؟

نعم، هتاف “جيش واحد شعب واحد” لم يعد تعبيراً عن مشاعر مناهضة لـ”صمود” و”الجنجاقحت” فحسب، بل أصبح الجزء الأكبر والأهم من الواقع السياسي الذي يمثل السودانيين بعد تجربة الحرب.

الحرب علمت السودانيين درساً قاسياً؛ لا يمكن أن تبقى دولة بلا جيش يحميها، ولا يمكن أن يبقى شعب بلا مؤسسة تجمعه. والشعار الذي هتف به ذلك الشاب هو تعبير عن هذا الدرس.. جيش واحد، شعب واحد، لا مليشيا ولا كانتونات ولا أوصياء من الخارج.

“صمود” التي ترفض هذا الشعار، لا ترفض مجرد كلمات، إنها ترفض السودان الذي خرج من الحرب، السودان الذي يريد دولة موحدة، وجيشاً وطنياً، وسيادة كاملة.. وهي ترفض لأن مشروعها ليس السودان، بل هو مشروع من رعاها ودفع لها.. وحمدوك، الذي صمت بينما يُضرب شاب، لن يجد بعد اليوم من يصدقه إذا قال إنه يريد سلاماً وديمقراطية..فالسلام الذي يُبنى بالاعتداء على الأصوات ليس سلامًا، والديمقراطية المزعومة التي تُبنى بالصمت على الظلم لا جدوى لها ولا طائل.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى