أخبارأخبار االسودانتقارير

رغيف الخبز يقفز إلى 500 جنيه.. هل آن الأوان لمراجعة رعونة سياسات التحرير؟

تقرير: الطابية

لم يعد ارتفاع سعر الخبز في السودان مجرد زيادة جديدة في قائمة الأسعار، بل أصبح مؤشراً صارخاً على بلوغ الأزمة الاقتصادية مرحلة تستوجب تدخلاً استثنائياً. فحين ترتفع الرغيفة إلى 500 جنيه، بعد قفزات متلاحقة في أسعار الدقيق ومدخلات الإنتاج، فإن الأمر يتجاوز قدرة المواطن على الاحتمال، ويضع الدولة أمام مسؤولية مباشرة في حماية الأمن الغذائي والاجتماعي.

مؤشرات سبقت الانفجار

الزيادة الأخيرة، التي أعلنها اتحاد المخابز، لم تأتِ من فراغ. فقد ارتفع سعر جوال الدقيق من 77 ألفاً إلى 108 آلاف جنيه، بزيادة تقارب 40%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الزيت والخميرة وأجور العمال وتكاليف النقل والوقود. وفي الوقت نفسه، تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز 7 آلاف جنيه، لتصبح أزمة الخبز في جوهرها امتداداً مباشراً لأزمة سعر الصرف وانهيار القوة الشرائية للجنيه.
ومنذ بداية سبتمبر، كانت المؤشرات تتجه بوضوح نحو هذه النتيجة. فقد ناقشت اللجنة الاقتصادية بولاية الخرطوم أزمة الخبز وأسعار الدقيق وتفاوتها بين شركات الإنتاج، وظهرت شكاوى من اختلاف أسعار وأحجام الرغيف بين المخابز، بينما كانت الأسواق تشهد موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع. ثم جاءت الزيادة الرسمية إلى 500 جنيه لتضع حداً لمرحلة التسعير المتفاوت، لكنها في الوقت نفسه كشفت عمق الاختلال في اقتصاد الخبز.

المواطن يدفع الثمن

المشكلة أن المواطن لا يدفع ثمن الرغيفة وحدها، فارتفاع سعر الخبز يأتي في بيئة فقدت فيها قطاعات واسعة من الأسر مصادر دخلها بسبب الحرب، وتراجعت فرص العمل، وارتفعت تكاليف المواصلات والسلع والخدمات. وبالتالي فإن كل زيادة في سعر الخبز تعني اقتطاع جزء جديد من ميزانية الأسرة من الغذاء أو الدواء أو التعليم أو النقل.
فالـ500 جنيه ليست مجرد سعر جديد لرغيفة؛ إنها جرس إنذار. وإذا كان المواطن قد أصبح عاجزاً عن تحمل تكلفة الخبز، فإن استمرار الارتفاعات دون تدخل قد يدفع الأزمة من أزمة معيشة إلى أزمة اجتماعية أوسع.
لقد تحمل السودانيون كلفة الحرب والنزوح وفقدان الدخل وتدمير الأسواق والخدمات. وليس من المقبول أن تضاف إلى هذه الأعباء أزمة غذاء مفتوحة بلا سياسة واضحة لاحتوائها.

هل آن الأوان لمراجعة سياسة تحرير الأسعار

لقد كانت سياسة تحرير أسعار السلع الأساسية التي أقرتها في السابق حكومة (قحت) واحدة من أسوأ جنايات تلك الفئة السياسية على الاقتصاد السوداني، ولكن الأسوأ منها هو الاستمرار في تلك السياسة، رغم النتائج التي أفرزتها مع فشلها الذريع في تحقيق أدنى قدر من التعافي.. بل ويزداد الأمر سوءًا إلى درجة الإجرام، أن يستمر الأمر حتى في الظروف الاستثنائية الحالية التي تمر بها البلاد، ويتحمل تبعاتها المواطن بما يفوق طاقته!.
إن الأزمة تفرض مراجعة جادة لسياسة تحرير الأسعار وسعر الصرف، خصوصاً فيما يتعلق بإخضاع السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والدقيق والخبز، لمنطق السوق وحده في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب وانهيار القوة الشرائية.
فالتحرير في بيئة مستقرة قد يكون أداة اقتصادية مفهومة، لكنه يصبح شديد الكلفة حين يتعلق بسلعة أساسية لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها.
المطلوب ليس العودة إلى الدعم العشوائي أو التسعير الإداري الشامل، وإنما تبني سياسة مرنة ومؤقتة تحمي السلع الاستراتيجية من تقلبات السوق، وتضمن استقرار إمداداتها وأسعارها، إلى أن تستعيد العملة والأسواق قدرتهما على العمل بصورة طبيعية.

الخبز قضية أمنية وليس سلعة عادية

إن ترك السوق لمعالجة الأزمة وحده سيكون كارثيًا. فالخبز سلعة استراتيجية، واستقرار سعره ليس قضية تجارية محضة، وإنما قضية أمن غذائي واستقرار اجتماعي.
وفي المقابل، لا تستطيع الدولة إجبار المخابز على البيع بأقل من تكلفة الإنتاج لأن ذلك سيؤدي إلى نتيجة أخرى لا تقل خطورة: إغلاق المخابز أو انخفاض الإنتاج أو تراجع جودة الخبز وظهور سوق سوداء للرغيف.
ينبغي كذلك إعادة النظر في سياسة التعامل مع الدقيق بوصفه سلعة عادية. فإذا كانت الدولة عاجزة عن دعم الرغيف مباشرة، فإن بإمكانها أن تتدخل بصورة عاجلة لتوفير الدقيق ومدخلات الإنتاج بأسعار مستقرة، ومراجعة تكلفة الطحن والتوزيع، وضبط سوق الصرف وملاحقة المضاربات، وتوفير الوقود للمطاحن والمخابز، بجانب تشجيع الإنتاج المحلي للقمح، وتقليل حلقات الوساطة التي تضيف تكاليف لا مبرر لها، مع إنشاء آلية شفافة لتحديد تكلفة الرغيف وسعره.
وتحتاج الحكومة كذلك إلى مراقبة حركة الدقيق منذ خروجه من المطحنة حتى وصوله إلى المخبز، لمنع التسرب والمضاربة والاحتكار.
كما أن تفعيل الأجهزة المختصة بمراقبة الأسواق وسعر الصرف، مع نشر بيانات دورية عن الكميات المنتجة والموزعة وتكلفة الإنتاج، سيحد من الفوضى التي تجعل المواطن يدفع ثمن كل حلقة من حلقات الاختلال.

نحو إدارة طوارئ اقتصادية

المطلوب إذن ليس قراراً إدارياً بتجميد السعر، وإنما حزمة طوارئ اقتصادية تبدأ من جذور المشكلة. فأزمة الخبز لا يمكن فصلها عن الأزمة الأكبر؛ أزمة الجنيه. فكلما تراجع سعر العملة ارتفعت تكلفة الوقود وقطع الغيار والمدخلات والنقل، ثم انتقلت الزيادة إلى الدقيق، ومنه إلى الرغيف.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمة يوماً بيوم إلى إدارة طوارئ اقتصادية شاملة.
فالدولة مطالبة بتحديد عدد من السلع والخدمات ذات الأولوية، ووضع سياسات استثنائية لتأمينها، وفي مقدمتها القمح والدقيق والخبز والوقود والأدوية، مع توجيه النقد الأجنبي المتاح إلى القطاعات الأكثر تأثيراً في حياة المواطنين.

الخبز اليوم هو المؤشر الأكثر حساسية لسلامة الاقتصاد. وإذا وصلت الرغيفة إلى 500 جنيه، فقد آن الأوان لأن تتعامل الدولة مع الاقتصاد نفسه باعتباره في حالة طوارئ.
إن إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية، بالمفهوم العملي لا الشعار السياسي، يعني أن تتعامل الحكومة مع انهيار القوة الشرائية والأسعار وسعر الصرف باعتبارها أزمة وطنية تستوجب غرفة عمليات واحدة، وقرارات سريعة، ومتابعة يومية، ومساءلة واضحة عن النتائج.. كما يجب التعامل مع القضايا المرتبطة بأمن المعيشة بطرق استثنائية غير خاضعة لبيروقراطية الدولة القاتلة، فسرعة تفاقم الأزمات أكبر بكثير من سرعة دولاب الدولة الثقيل!.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى