تقاريرسياسة

من حل أزمة الطاقة إلى استثمار الموارد.. هل يكفي توجيه حكومي لتوطين صناعة الألواح الشمسية؟

 

تقرير: الطابية

يفتح توجيه مجلس الوزراء لوزارة الصناعة بالتباحث مع رجال الأعمال السودانيين بشأن تصنيع ألواح الطاقة الشمسية داخل البلاد، الباب أمام خيار اقتصادي يتجاوز معالجة أزمة الكهرباء إلى إعادة بناء قطاع صناعي قائم على الموارد المحلية.
فالسودان لا يملك وفرة كبيرة من أشعة الشمس فحسب، بل يمتلك أيضاً عدداً من الخامات المعدنية التي يمكن أن تشكل مدخلات مهمة، بصورة مباشرة أو بعد المعالجة، في سلسلة صناعة الطاقة الشمسية.

ويأتي التوجه في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الطاقة الشمسية باعتبارها أحد البدائل الأسرع والأقل كلفة نسبياً لتوفير الكهرباء للمنازل والمزارع والمنشآت، خصوصاً مع الأضرار التي لحقت بشبكة الكهرباء ومحطات التوليد جراء الحرب، وارتفاع تكلفة الوقود ومستلزمات الطاقة المستوردة.

من الاستيراد إلى التصنيع

يمثل توجيه مجلس الوزراء تحولاً مهماً في التفكير الاقتصادي؛ فبدلاً من الاكتفاء باستيراد المنظومات الشمسية كاملة، يمكن للسودان أن يبدأ بتوطين مراحل صناعتها، ثم التوسع تدريجياً نحو إنتاج متكامل.
ولا يعني ذلك بالضرورة البدء فوراً بتصنيع الخلايا الشمسية من الصفر، وهي عملية تحتاج إلى تقنيات واستثمارات متقدمة، وإنما يمكن البدء بالمراحل الأقل تعقيداً، مثل تجميع الألواح، وتصنيع الهياكل المعدنية، وإنتاج الصناديق والتوصيلات الكهربائية، وتجميع البطاريات والمنظومات، ثم الانتقال تدريجياً إلى تصنيع الخلايا والمكونات الأكثر تعقيداً.
وهذا النموذج يسمح ببناء صناعة محلية بصورة متدرجة، بدلاً من انتظار توفر كل شروط التصنيع المتكامل منذ البداية.

هل يملك السودان المواد الخام؟

الميزة الأساسية للسودان تتمثل في امتلاكه قاعدة واسعة من الموارد المعدنية. فصناعة الألواح الشمسية تعتمد أساساً على السيليكون في الخلايا التقليدية، إلى جانب الزجاج والألومنيوم والنحاس ومكونات ومواد أخرى.
والسودان يمتلك رواسب من الكوارتز والسيليكا، وهى مواد يمكن أن تدخل في سلسلة إنتاج السيليكون، كما يمتلك خامات للحديد والألومنيوم والنحاس وغيرها من المعادن التي يمكن أن تدخل في الصناعات المساندة.
لكن وجود الخام في باطن الأرض لا يعني تلقائياً إمكانية استخدامه في صناعة الألواح. فالفارق كبير بين استخراج الخام وامتلاك القدرة الصناعية على تنقيته ومعالجته إلى درجة النقاء والمواصفات المطلوبة.
إذا أراد السودان الوصول إلى تصنيع الخلايا الشمسية محلياً، فإن السيليكون سيكون أحد أهم التحديات التقنية.
فالسيليكا الموجودة في الرمال أو الكوارتز تحتاج إلى عمليات معالجة واختزال وتنقية معقدة للوصول إلى السيليكون المناسب للتطبيقات الكهروضوئية، ثم تحويله إلى رقائق وخلايا، وهي مراحل تحتاج إلى طاقة وفيرة وتقنيات متقدمة واستثمارات ضخمة.
ولهذا فإن الطريق الواقعي قد يبدأ من تصنيع المكونات وتجميع الألواح، بالتوازي مع تطوير صناعة الزجاج والمعادن والكوابل والهياكل، ثم الاستثمار تدريجياً في مراحل إنتاج الخلايا، ، مع دخول شركاء تقنيين واستثمارات أجنبية، لإنشاء سلسلة صناعية تبدأ من التعدين والمعالجة ولا تنتهي عند تركيب اللوح الشمسي.

الشمس السودانية.. سوق جاهزة

وتتوافر للسودان ميزة أخرى لا تقل أهمية عن المواد الخام، وهي السوق المحلية الواسعة.
فالحرب أظهرت هشاشة الاعتماد على الشبكة المركزية، ودفع انقطاع الكهرباء الأسر والمزارعين والمستشفيات والمؤسسات التجارية إلى البحث عن حلول مستقلة، وأصبحت المنظومات الشمسية جزءاً من الحياة اليومية في مناطق واسعة من البلاد.
كما أن التوسع في الزراعة، وضخ المياه، وتشغيل الآبار والمضخات، وتوفير الكهرباء للمناطق الريفية، يمكن أن يخلق طلباً مستمراً على المنظومات الشمسية. وإذا نجحت الصناعة المحلية في خفض تكلفة المنتج، فإنها لن تستهدف السوق السودانية وحدها، بل يمكن أن تتجه مستقبلاً إلى أسواق دول الجوار.

ماذا يكسب السودان؟

توطين صناعة الطاقة الشمسية يمكن أن يحقق عدة فوائد في وقت واحد، تشمل؛ خفض فاتورة الاستيراد، وتوفير النقد الأجنبي، وخلق وظائف، بجانب تنشيط التعدين والصناعات التحويلية، وتوفير منتج محلي أقل تأثراً بتقلبات أسعار الصرف والشحن الدولي.
كما أن تصنيع الألواح محلياً سيجعل التوسع في الطاقة الشمسية أكثر ارتباطاً بالاقتصاد السوداني؛ فكلما زاد الطلب على الطاقة الشمسية، ارتفع الطلب على الزجاج والمعادن والكوابل والهياكل وخدمات النقل والتركيب والصيانة.
وهنا تتحول الطاقة الشمسية من مجرد وسيلة لمواجهة انقطاع الكهرباء إلى قاطرة لصناعة جديدة.

رجال الأعمال وحدهم لا يكفون

لكن نجاح توجيه مجلس الوزراء يتطلب أكثر من دعوة رجال الأعمال إلى الاستثمار. فالصناعة تحتاج إلى كهرباء مستقرة، وتمويل طويل الأجل، وإعفاءات جمركية للآلات والمعدات، وحماية مدروسة للصناعة الناشئة، ومواصفات قياسية صارمة تمنع إغراق السوق بمنتجات رديئة، إضافة إلى شراكات مع شركات دولية تمتلك التكنولوجيا والخبرة.
كما أن الحكومة مطالبة بوضع خريطة طريق لتوطين الصناعة تحدد المراحل التي يمكن تنفيذها محلياً، ونسبة المكون المحلي المستهدفة، والحوافز الممنوحة للمستثمرين، وربط الاستثمار في الخامات المعدنية بالصناعات التحويلية بدلاً من تصديرها خاماً.

مستقبل واعد إذا توفرت الجديَّة

هذا المسار إذا مضت فيه الدولة بجدية، فإنه يتيح فرصة حقيقية أمام السودان ليتحول من مجرد سوق مستهلكة لمعدات الطاقة الشمسية إلى منتج لها، خاصة إذا اقترن بتطوير مشاريع الطاقة المتجددة.
فالسودان لا تنقصه الشمس ولا الموارد، وإنما تنقصه الصناعة التي تحول هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية. وتوجيه مجلس الوزراء لوزارة الصناعة بالتباحث مع رجال الأعمال بشأن تصنيع ألواح الطاقة الشمسية قد يكون بداية لمسار يتجاوز أزمة الكهرباء من بلد يستورد الطاقة الشمسية بأسعار مرتفعة، إلى بلد يصنع جزءاً متزايداً منها من موارده المحلية.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى