
تقرير: الطابية
شهد شهرا يوليو وأغسطس 2026 تصاعداً ملحوظاً في حالات الانشقاق والاستسلام من صفوف مليشيا الدعـ. ـم السـ ريع، مع انتقال الظاهرة من حالات فردية ومجموعات محدودة إلى استسلام تشكيلات تضم مئات المقاتلين، مصحوبة في بعض الحالات بعربات قتالية وقيادات ميدانية.
وتشير الوقائع المعلنة خلال الفترة إلى أن ما يجري لم يعد مجرد حوادث متفرقة، وإنما مؤشر على ضغوط متزايدة داخل بنية المليشيا، خصوصاً في أعقاب التراجع العسكري الذي أصابها في عدد من مناطق كردفان والطرق المؤدية إلى وسط السودان.
يوليو.. بداية موجة الاستسلام
بدأت أبرز الحالات المرصودة في يوليو باستسلام نحو 280 مقاتلاً، برفقة أكثر من 30 عربة، في 22 يوليو، في واحدة من أكبر عمليات التسليم المعلنة خلال الشهر.
وفي أواخر يوليو، أعلنت مجموعة أخرى، تحمل اسم «المجموعة 26»، تسليم نحو 45 عربة للجيش، دون أن تتوافر أرقام دقيقة عن عدد أفرادها.
وفي 31 يوليو، ظهرت حالة أخرى تمثلت في انشقاق مجموعة بقيادة عثمان النور ويونس إدريس وعلي الزين، ضمت نحو 45 مقاتلاً، انتقلت من محور بارا إلى أم درمان وسلمت نفسها للقوات المسلحة.
وبذلك تجاوز عدد العناصر الذين شملتهم الحالات ذات الأرقام المعلنة في يوليو 325 مقاتلاً، فضلاً عن عربات ومعدات عسكرية.
اتساع الظاهرة من أفراد إلى تشكيلات
لكن التطور الأبرز ظهر خلال أغسطس، وتمثٌْل في ارتفاع أعداد المستسلمين وانتقال الظاهرة إلى تشكيلات أكبر.
ففي 13 أغسطس، أعلنت مصادر عن استسلام مجموعتين من الدعم السريع، هما المجموعتان 55 و47، وضمتا نحو 270 مقاتلاً و21 قائداً ميدانياً، إضافة إلى 37 عربة، ووصلت المجموعة إلى منطقة الدبة.
وفي 18 أغسطس، سُجلت حالة استسلام أخرى لمجموعة عاملة في محور الدبة، دون إعلان عدد أفرادها.
ثم جاءت واحدة من أكبر الحالات في 18 و19 أغسطس، عندما أعلنت مجموعة يقودها موسى خمسين تسليم نفسها، وضمت نحو 318 مقاتلاً ونحو 50 عربة.
وباحتساب الحالات التي توفرت بشأنها أرقام واضحة، يصل إجمالي المقاتلين الذين أعلن عن استسلامهم خلال يوليو وأغسطس إلى أكثر من 913 مقاتلاً، دون احتساب المجموعات التي لم تُعلن أعداد أفرادها.
ولكن الأهمية الأبرز لهذه الوقائع لا تكمن في العدد وحده، وإنما في طبيعة المنشقين.
فالملاحظ أن عمليات الاستسلام انتقلت تدريجياً من أفراد ومجموعات صغيرة إلى تشكيلات تضم مئات المقاتلين وقيادات ميدانية وعربات قتالية. وهذا قد يعني أن الضغوط لم تعد مقتصرة على المقاتل الفرد، وإنما بدأت تطال مستويات تنظيمية وميدانية داخل المليشيا.
كما أن تسليم العربات والمعدات يمثل خسارة مضاعفة للدعم السريع؛ إذ لا يفقد التشكيل عناصره البشرية فقط، وإنما يفقد أيضاً جزءاً من قدرته على الحركة والقتال والمناورة.
كردفان.. نقطة التحول
جغرافياً، تكشف الحالات المرصودة عن مسار مهم. فقد برزت عمليات الانشقاق والاستسلام أولاً بصورة واضحة في محاور كردفان، ثم ظهرت مجموعات تحركت باتجاه أم درمان، قبل أن تتكرر حالات الاستسلام في محور الدبة.
ويأتي ذلك في أعقاب التراجع العسكري للمليشيا في شمال كردفان وفقدانها مناطق وطرقاً استراتيجية، الأمر الذي جعل بعض الوحدات تواجه ضغوطاً ميدانية ولوجستية متزايدة، قابلها إهمال وتجاهل وعدم استجابة من قيادة المليشيا.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاستسلامات باعتبارها أحد انعكاسات تغيُّر ميزان المبادرة العسكرية؛ فحين تفقد الوحدات خطوط الإمداد والمناورة وتتعرض لضغط متواصل، يصبح خيار الانسحاب أو الاستسلام أكثر احتمالا، خصوصًا في ظل الإحباط الناجم عن تجاهل قيادتهم تلبية احتياجاتهم الميدانية.
هل نحن أمام انهيار داخلي؟
رغم تصاعد الأرقام، لا تكفي هذه الوقائع وحدها للقول إن المليشيا دخلت مرحلة الانهيار التنظيمي الكامل.
فالمليشيا لا تزال تمتلك قوات وتشكيلات كبيرة، كما أن عمليات الاستسلام تتركز في محاور ومناطق محددة، ولا تعني بالضرورة أن جميع الوحدات تتجه إلى الخيار نفسه.
لكن المؤشر الأكثر أهمية هو تراكم الحالات وتزايد حجمها خلال فترة قصيرة. فانتقال الظاهرة من مئات محدودة في يوليو إلى حالات أكبر خلال أغسطس يجعلها مؤشراً على أزمة في التماسك والانضباط والقدرة على الاحتفاظ بالقوات في بعض الجبهات.
وتتداول مصادر غير رسمية تقديرات تصل إلى نحو 5 آلاف مقاتل ممن انشقوا أو سلموا أنفسهم خلال الفترة، إلا أن هذا الرقم لا تتوافر له، حتى الآن، قاعدة توثيق علنية كافية، ولذلك لا يمكن اعتماده كحصيلة نهائية.
ماذا تعني الموجة للجيش؟
بالنسبة للقوات المسلحة، تمثل هذه الانشقاقات مكسباً يتجاوز البعد العسكري المباشر. فاستسلام مقاتلين من الدعم السريع يوفر معلومات محتملة عن انتشار القوات، وخطوط الإمداد، والقيادات، وحجم العتاد والقدرات المتبقية في مناطق مختلفة.
كما أن استسلام تشكيلات كاملة قد يفتح الباب أمام مزيد من الانشقاقات، خصوصاً إذا اقتنع أفراد آخرون بأن وحداتهم أصبحت معزولة أو أن فرص استمرارها في القتال تتراجع، وفي نفس الوقت فقدوا الثقة في قيادتهم وما ترفعه من شعارات وقضية.
لكن الاستفادة من هذه الموجة تتطلب إدارة سياسية وعسكرية دقيقة، خصوصاً فيما يتعلق باستيعاب المستسلمين والتحقق من خلفياتهم وتنظيم وضعهم القانوني والعسكري، حتى لا تتحول عمليات الاستسلام إلى مصدر جديد للتفلت.. وهذا ما شرعت فيه القوات المسلحة فعليًا بإعلانها إكمال المرحلة الأولى من إجراءات توفيق أوضاع المنضمين حديثا من صفوف المليشيا، بحسب بيان الإعلام العسكري الذي كشف أن الإجراءات أداء اليمين وتوفيق الأوضاع الإدارية وفق القوانين واللوائح المعمول بها في الجيش، تمهيدا لتنسيب المنضمين إلى التشكيلات والوحدات العسكرية المختلفة.
المليشيا تحت ضغط.. لكنها لم تنكسر
ترتبط هذه الظاهرة ترتبط بتغيرات ميدانية في كردفان، وضغوط الإمداد، وتراجع القدرة على الاحتفاظ ببعض المواقع والمحاور. مما يشير إلى تآكل تدريجي في التماسك، ولكنه لم يصل بعد لمرحلة الانهيار الشامل.
إذا استمرت عمليات الانشقاق بالوتيرة نفسها، وانتقلت من وحدات محدودة إلى تشكيلات أكبر، فقد تتحول من ظاهرة جانبية في الحرب إلى عامل مؤثر في إعادة تشكيل ميزان القوى.
وفي كل الأحوال، فإن السؤال لم يعد فقط: كم مقاتلاً انشق؟ بل أصبح: هل بدأت وحدات المليشيا تفقد الثقة في قدرتها على مواصلة الحرب؟ وهذه، في الحروب، قد تكون أخطر من خسارة موقع أو مدينة.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



