أخبارأخبار االسودانتقارير

تنسيق سعودي وتعاون تركي.. أين موقع السودان في خارطة الاصطفافات الإقليمية؟

تقرير: الطابية

في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للسودان والمنطقة، وقّعت الخرطوم والرياض، قبل يومين، اتفاقاً لإنشاء مجلس تنسيق للتعاون بين البلدين، في خطوة تنقل العلاقات الثنائية من مستوى الاتصالات السياسية المتفرقة إلى إطار مؤسسي أكثر انتظاماً، وتفتح الباب أمام تعاون أوسع في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية والاستثمارية وإعادة الإعمار.
ووفق وكالة الأنباء السعودية، يهدف المجلس إلى رفع مستوى التعاون بين الرياض والخرطوم، وجمع الجهات الحكومية في البلدين ضمن إطار مؤسسي يعزز التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
لكن أهمية الخطوة تتجاوز العلاقات الثنائية؛ إذ تأتي بالتزامن مع تحركات سودانية نحو السعودية وتركيا، وفي أعقاب انضمام السودان إلى التحالف البحري الذي يضم 14 دولها من ضمنها السعودية وتركيا ومصر وقطر.. وكل ذلك في ظل ظروف سياسية معقدة تتشابك فيها الحرب السودانية مع تنافس إقليمي متزايد على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ومع اصطفافات سياسية عسكرية أخرى مثل تبرز فيها السعودية وتركيا كطرف أساسي.

من الاتصالات إلى الشراكة المؤسسية

لم يأتِ إنشاء المجلس بصورة مفاجئة، بل يمثل نتيجة لمسار متصاعد من التواصل السياسي بين الخرطوم والرياض.
وكان من أبرز محطات هذا المسار لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض في ديسمبر الماضي. وفي يناير الماضي، أعلن البرهان التوجه لإنشاء مجلس التنسيق، تمهيداً لاستكمال الاتفاقات والإجراءات اللازمة لإطلاقه رسمياً.
بالنسبة للسودان، يمكن أن يمثل المجلس قناة ثابتة لحشد الدعم السياسي والاقتصادي، خصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث ستكون إعادة إعمار البنية التحتية واستعادة الخدمات وجذب الاستثمارات من أكبر تحديات الدولة.
ويمنح المجلس العلاقات السودانية السعودية إطاراً أكثر استقراراً، بحيث لا تظل رهينة المبادرات والاتصالات السياسية، وإنما تصبح هناك آلية تجمع المؤسسات الحكومية وتنسق السياسات في ملفات متعددة.

البحر الأحمر.. البعد الأكثر حساسية

يكتسب التعاون الأمني أهمية خاصة في ظل الموقع الجغرافي للبلدين وإطلالتهما على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقال وزير الخارجية السوداني إن لدى بلاده خططاً وبرامج لحماية البحر الأحمر، في وقت تواجه فيه حركة الملاحة الدولية مخاطر أمنية متزايدة في المنطقة.
ومن هنا، يمكن أن يمثل المجلس منصة لتطوير التنسيق السوداني السعودي في أمن السواحل والملاحة ومواجهة التهديدات البحرية، خصوصاً أن استقرار البحر الأحمر يرتبط مباشرة بالمصالح الأمنية والاقتصادية لكل من الرياض والخرطوم.
كما أن تعزيز هذا التعاون يمنح السودان فرصة للاستفادة من علاقاته مع السعودية في حماية ساحله وتطوير قدراته، في وقت تحتاج فيه الدولة السودانية إلى إعادة بناء مؤسساتها وبنيتها الأمنية التي أرهقتها الحرب.

العطا في تركيا.. تزامن لافت

تزامن توقيع الاتفاق مع تحرك سوداني لافت في اتجاه تركيا، تمثل في زيارة رئيس هيئة الأركان السودانية الفريق ياسر العطا إلى أنقرة، ولقائه رئيس أركان الجيش التركي سلجوق أوغلو، حيث بحث الجانبان التعاون العسكري.
ولا تبدو هذه الخطوة منفصلة عن التطور في العلاقات السودانية السعودية. فالسودان يتحرك في الوقت نفسه لتعزيز علاقاته مع قوتين إقليميتين لهما وزن متزايد في قضايا الأمن والدفاع والبحر الأحمر.
وتزداد أهمية هذا التحرك بالنظر إلى انضمام السودان في يوليو الماضي إلى ترتيب يضم 14 دولة أيدت مبادرة سعودية لإنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات لحماية الممرات البحرية، إلى جانب السعودية وتركيا ومصر وباكستان ودول أخرى. بما يشير إلى توجه الخرطوم نحو بناء شبكة علاقات استراتيجية أوسع، تقوم على التعاون السياسي والأمني والعسكري، بدلاً من الارتهان لمحور إقليمي واحد.
لكن من المهم التمييز بين انضمام السودان إلى ذلك وبين دخوله في اتفاق الدفاع الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان الذي وُقع في أغسطس 2026،الذي ينص على أن أي عدوان مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد عدواناً عليها جميعاً.. ولكن ربما تكون التحركات الأخيرة طريقاً إلى ذلك التحالف.

ماذا يريد السودان من هذا الاصطفاف؟

في ظل استمرار الحرب منذ أبريل 2023، يواجه السودان تحديات عسكرية واقتصادية وسياسية هائلة. ولذلك فإن توسيع الشراكات مع السعودية وتركيا يمكن أن يوفر للخرطوم عدة مكاسب.
أولها الدعم السياسي، عبر تعزيز موقع الحكومة السودانية في الإقليم والمحافل الدولية.
وثانيها التعاون العسكري والأمني، خصوصاً مع تركيا، بما يساعد في إعادة بناء القدرات العسكرية والتقنية للقوات المسلحة.
وثالثها الدعم الاقتصادي والاستثماري، وهو ملف بالغ الأهمية في ظل الدمار الذي خلفته الحرب وتراجع الإنتاج والبنية التحتية والخدمات.
أما رابعها فهو إعادة الإعمار؛ إذ يمكن للمجلس السوداني السعودي أن يتحول مستقبلاً إلى قناة مؤسسية لحشد الاستثمارات والتمويل السعودي في مشروعات إعادة بناء السودان.

هل يتشكل محور ثلاثي؟

المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة أن السودان والسعودية وتركيا بصدد إعلان تحالف عسكري ثلاثي بالمعنى التقليدي، لكن تزامن هذه التحركات يكشف عن تقارب استراتيجي متزايد.
فالسعودية تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً في البحر الأحمر والمنطقة، وتركيا تتمتع بعلاقات دفاعية وسياسية متنامية مع السودان، بينما يمثل السودان موقعاً جغرافياً محورياً على البحر الأحمر، فضلاً عن أهميته في أمن القرن الأفريقي وحوض النيل.
ومن ثم، فإن توثيق العلاقات بين الخرطوم والرياض، بالتوازي مع تعزيز التعاون العسكري السوداني التركي، قد يمنح السودان مساحة أكبر للمناورة في مواجهة الضغوط الإقليمية المرتبطة بالحرب.

إعادة تعريف موقع السودان

الأهمية الأبعد لهذه التطورات أنها قد تشير إلى محاولة سودانية لإعادة تعريف موقع البلاد في المعادلة الإقليمية.
فالسودان لم يعد يتعامل مع الحرب باعتبارها صراعاً داخلياً فقط، وإنما مع بيئة إقليمية تتداخل فيها مصالح دول عديدة، من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي وحوض النيل.
ولهذا فإن بناء علاقات مؤسسية مع السعودية، وتعزيز التعاون العسكري مع تركيا، والانخراط في ترتيبات إقليمية أوسع، يمنح الخرطوم فرصة لتنويع شركائها وتقليل الاعتماد على طرف واحد.
لكن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطاً بقدرة السودان على تحويل الاتفاقات والزيارات إلى مشروعات عملية ومصالح متبادلة، لا الاكتفاء بالإعلانات السياسية.

من الحرب إلى إعادة البناء

إن إنشاء مجلس التنسيق السوداني السعودي، بالتزامن مع تعزيز التعاون العسكري مع تركيا وانضمام السودان إلى الترتيب الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، يعكس تحركاً سودانياً نحو بناء شبكة علاقات إقليمية أكثر اتساعاً.
وقد يمنح هذا التحرك الخرطوم غطاءً سياسياً، ودعماً اقتصادياً، وشراكات أمنية وعسكرية، وفرصاً أكبر لإعادة الإعمار، فضلاً عن تعزيز موقعها في معادلة أمن البحر الأحمر.
لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة السودان على تحويل هذا التقارب إلى نتائج ملموسة، وفي الحفاظ في الوقت نفسه على استقلال قراره الوطني. فإذا نجحت الخرطوم في إدارة هذه العلاقات بواقعية وتوازن، فقد تتحول الحرب، رغم كلفتها الهائلة، إلى نقطة إعادة تموضع للسودان داخل الإقليم، لا مجرد أزمة تنتظر نهايتها.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى