أخبارأخبار االسودانتقارير

تصريح وزير المياه الإثيوبي.. شرارة في برميل بارود إقليمي

تقرير: الطابية

في توقيت تشتعل فيه الحدود وتتوتر العلاقات بين إثيوبيا وجيرانها، خرج وزير المياه والري الإثيوبي هبتامو إيتفا بتصريح استفزازي، يؤكد فيه أن “تدفق مياه النيل لدول المصب سيكون بالكامل تحت سيطرة بلاده”، داعياً إلى “تشييد سدود مائية إضافية على مجرى نهر النيل”. التصريح، الذي يأتي في مرحلة يشتد فيها التوتر بين أديس أبابا وكل من الخرطوم والقاهرة، لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الملتهب؛ تحالف مصري إريتري يتبلور، وحرب محتملة في تيغراي، واتهامات متبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا بدعم المتمردين في بلد الآخر.. فهل يكون هذا التصريح الشرارة التي تحول التوتر المائي إلى مواجهة إقليمية مفتوحة؟

ما الذي قاله الوزير الإثيوبي؟

لم يكن تصريح إيتفا دبلوماسياً، بل كان إعلاناً صريحاً عن تحول في العقيدة المائية الإثيوبية من دولة منبع تسعى لاستغلال مواردها، إلى دولة تمسك بمفتاح الحياة والموت لجيرانها!.. فالدعوة إلى سدود إضافية تعني أن إثيوبيا لا تكتفي بسد النهضة، بل تخطط لمنظومة سدود متكاملة تمنحها تحكماً غير مسبوق في كميات المياه وتوقيت تدفقها.
والأخطر أن التصريح جاء بعد أسابيع فقط من أزمة انخفاض مناسيب النيل في السودان، التي أرجعتها الخرطوم جزئياً إلى تراجع التصريف من سد النهضة. فبدلاً من طمأنة الجيران، يؤكد الوزير الإثيوبي أن ما حدث هو القاعدة لا الاستثناء، وأن القادم سيكون أكثر سيطرة إثيوبية على النهر.
ويسند الوزير الإثيوبي ظهر عند إطلاق هذه التصريحات إلى ما يعرف باتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض نهر النيل، التي لم تصادق عليها مصر ولا السودان، بينما صادقت عليها إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي، ثم انضمت جنوب السودان في 2024، فأصبح عدد وثائق التصديق (الانضمام) المطلوبة مكتملةً، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 13 أكتوبر 2024.

السودان.. تهديد إثيوبي ذو وجهين

بالنسبة للسودان، يأتي التصريح في سياق علاقة متوترة أصلاً مع إثيوبيا، بسبب تدخلاتها في الحرب السودانية بدعم مليشيا الدعـ م السـ ريع من جهة، والجهة الأخرى ملف سد النهضة ظل عالقاً دون اتفاق ملزم. وقبل أسابيع، شهد السودان انخفاضاً حاداً في مناسيب النيل أدى إلى خروج محطات مياه عن الخدمة وتضرر مشاريع زراعية، وهو ما أرجعته الخرطوم جزئياً إلى تراجع تصريف سد النهضة.
والآن جاء تصريح الوزير الإثيوبي يؤكد الآن ما يخشاه السودانيون؛ أن نهرهم لم يعد بأيديهم وحدهم، بل تحت سيطرة جارة ترى فيهم خصماً لا شريكاً.
وفي ظل حرب السودان المستمرة ضد المليشيا، يعني ذلك أن الخرطوم تواجه تهديداً إثيوبيًا مزدوجاً؛ فأديس أبابا، من جهة، تدعم المليشيا التي تنطلق من أراضيها ، ومن جهة أخرى تهدده بالتلويح بورقة المياه.

مصر والقضية الوجودية

بالنسبة لمصر، يعتبر ملف مياه النيل مسألة وجودية، إذ يمد النيل البلاد بنحو 90% من احتياجاتها المائية. تصريح الوزير الإثيوبي حول “السيطرة الكاملة” و”سدود إضافية” سيكون قد استُقبل في القاهرة كإعلان حرب مائية.
لكن التصريح لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع تقارير عن تعزيز مصر تقاربها مع إريتريا، الدولة التي تعتبر إثيوبيا خصماً استراتيجياً. هذا التقارب يكتسب أهمية خاصة في ظل الحديث عن حرب محتملة في تيغراي، حيث تدعم إريتريا جبهة تحرير تيغراي ضد الحكومة الفيدرالية. فهل تتحول مصر من دبلوماسية الضغط إلى دعم مباشر للمتمردين؟ إذا حدث ذلك، فقد يكون تصريح الوزير الإثيوبي هو الوقود الذي يشعل فتيل حرب إقليمية.
التقارب المصري الإريتري ليس مجرد تحالف ظرفي، بل اصطفاف استراتيجي يستهدف إثيوبيا التي تهدد الأمن المائي المصري، وفي نفس تطالب بما تعتبره حقها في امتلاك منفذ مائي على البحار، وتعتبر أن إريتريا قد حرمتها منه وجعلتها دولة حبيسة باستقلالها منها عام 1993.
تصريح الوزير الإثيوبي قد يمنح هذا التحالف دفعة إضافية.. فإذا شعرت القاهرة أن أديس أبابا تعمل على التحكم الكامل في مياه النيل، فإن دعم المتمردين التيغراي عبر إريتريا قد يتحول من خيار استراتيجي إلى ضرورة وجودية، وهنا تتحول المياه من قضية تفاوضية إلى قضية حرب.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: التصعيد الدبلوماسي دون وقوع حرب،
فقد تكتفي مصر والسودان بالتصعيد الدبلوماسي؛ بيانات استنكار، وشكاوى لمجلس الأمن، وتحركات في المحافل الإقليمية. هذا السيناريو يبقي التصعيد تحت السيطرة لكنه لا يحقق اختراقاً في ملف المياه، إلّا من خلال الدخول في مفاوضات مباشرة مع إثيوبيا، أو امتلاك مصر والسودان كروت ضغط قوية لدرجة إجبار إثيوبيا على الرضوخ.

السيناريو الثاني: دعم غير مباشر للمتمردين التيغراي، فقد تلجأ مصر وإريتريا، وربما السودان لاحقاً، إلى دعم المتمردين بشكل غير مباشر؛ بتقديم تسهيلات لوجستية، دعم مالي، غطاء سياسي. هذا السيناريو يقصد منه أن يكون ورقة ضعط قوية تجبر أديس أبابا التفاوض والوصول إلى حلول مرضية لكل الإطراف، ولكنه قد يشعل حرباً بالوكالة في تيغراي دون مواجهة عسكرية مباشرة بين الدول.

السيناريو الثالث: الحرب الإقليمية المفتوحة، إذا تصاعد الدعم للمتمردين وردت إثيوبيا بقصف مواقع داخل إريتريا أو السودان، فقد تنزلق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة، تكون فيها التحالفات واضحة؛ إثيوبيا (وربما الإمارات والدعـ م السـ ريع) في مواجهة مصر وإريتريا (وربما السودان والتيغراي). هذا السيناريو سيكون كارثياً لكل دول المنطقة.

عود ثقاب في برميل بارود

حين خرج وزير المياه الإثيوبي ليعلن أن تدفق مياه النيل “سيكون تحت سيطرة بلاده”، لم يكن يدرك ربما أنه يضرب عود ثقاب بجوار برميل بارود. فالنيل، الذي كان ينظر إليه يوماً كجسر للتعاون بين دول المنبع والمصب، تحول اليوم إلى مصدر للصراع والاستقطاب. وكل تصريح حاد، وكل خطوة أحادية، وكل تحالف ضد طرف بعينه، يقرب المنطقة من حافة الهاوية.
والخاسر الأكبر في هذا المشهد هو المواطن العادي: السوداني الذي يخاف على محصوله من شح المياه، والمصري الذي يقلق على رغيفه من جفاف النيل، والإثيوبي الذي يحلم بكهرباء رخيصة من سدود بلاده. كلهم ضحايا محتملون لصراع تحول فيه النهر من مصدر للحياة إلى سبب للحرب.
هل تنجح دبلوماسية العقل في احتواء هذا التصعيد؟ أم أن أشباح الحروب المائية، التي طالما حذر منها الخبراء، ستصبح حقيقة واقعة؟ الإجابة لن تكون في تصريحات وزراء المياه، بل في قدرة القادة على إدراك أن النهر الذي يرفضون تقاسمه، قد يتحول إلى قبر يدفنون فيه جميعاً.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى